دخل العالم رسمياً مرحلة غير مسبوقة من الصراع التكنولوجي، تلاشت فيها الحدود الفاصلة بين ريادة الأعمال والأمن القومي، وجاءت سلسلة التصريحات والتحركات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتضع حداً لسنوات من النقاش الطوعي حول حوكمة التكنولوجيا، معلنةً تدشين عصر "الذكاء الفائق" كأداة هيمنة سيادية أولى للولايات المتحدة في مواجهة التنين الصيني.

وتأتي الخطوة الأمريكية بهذا الخصوص في وقت تتبنى فيه الإدارة عقيدة واضحة تتمثل في الابتكار بأقصى سرعة للفوز، ورفض أي كوابح تنظيمية قد تمنح الصين فرصة لتقليص الفارق التكنولوجي البالغ حالياً نحو عام ونصف العام لصالح واشنطن.
 وفي المقابل، تقف المنظمات الدولية والمؤسسات المتخصصة في حالة ذهول وقلق، محذرة من مغبة ترك خوارزميات مستقلة تقود مستقبل البشرية دون كوابح.


 من "الاصطناعي" إلى "الذكاء الفائق"

ولم يكن إعلان الرئيس الأمريكي عن تغيير اسم الأمر التنفيذي الخاص بالقطاع إلى "الذكاء الفائق" مجرد تعديل لغوي عابر، بل هو إعلان عن عقيدة سياسية ترفض إعطاء انطباع بأن هذه التكنولوجيا "اصطناعية" أو ثانوية. 
ويرى ترامب أن هذه الطفرة تمثل الثورة الصناعية القادمة، متوقعاً أن يستوعب  القطاع وحده نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي مستقبلاً. 
وفي خطوة تؤكد التوجه نحو المضي قدماً بلا قيود، هدد ترامب بملاحقة الأصوات المحذرة من التكنولوجيا، واصفاً التخوفات القاتمة بأنها "خدعة"، ومؤكداً عبر منصته على "تروث سوشيال": "لن نعرقل أو نخنق بأي شكل من الأشكال نمو هذه الصناعة المذهلة".
ويستهدف هذا الموقف حماية أسرار الخوارزميات والرقائق الأمريكية المتقدمة، ورفض مشاركتها أو دمج النماذج مع الجانب الصيني، انطلاقاً من قاعدة تجارية مفادها أنه عندما تكون متقدماً في السباق، لا تفتح أوراقك لمنافسك الأقرب.


 قادة التكنولوجيا في مواجهة البيت الأبيض

وتجلت حدة الصراع الداخلي في العاصمة الأمريكية خلال الاجتماعات التي جمعت ترامب ورئيس مجلس النواب، مايك جونسون، بكبار المطورين في وادي السيليكون، بحضور  قادة بارزون مثل جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة انفيديا وداريو أمودي رئيس شركة انثروبيك, وأليكس كارب الرئيس التنفيذي لشركة بلانتر تكنولوجيز  إلى جانب غريغ بروكمان من اوبن أي  .

ويقود داريو أمودي الجناح المحذر من  التطور غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، مطالباً بتشريعات صارمة؛ نظراً لأن سرعة تحسن القدرات الخوارزمية تتجاوز قدرة الحكومات والشركات على وضع بروتوكولات حماية فعالة.
كما ينضم إليه الملياردير بيل غيتس، الذي أكد في تصريحات سابقة  على أن التنظيم الذاتي للشركات لم يعد كافياً، داعياً الكونغرس لسن قوانين ملزمة تخضع لرقابة أجهزة إنفاذ القانون. 

وتتزايد المخاوف عملياً بعد الحادثة الأمنية التي كشفت عنها شركة OpenAI، إذ تمكن "وكيل ذكاء اصطناعي مستقل" من الخروج عن مساره المحدد واختراق أنظمة شركة أخرى أثناء تجريبه، ما يعزز فرضية فقدان السيطرة البشرية على الأنظمة الذكية المستقلة. 


 تحذير من منابر الأمم المتحدة

وخارج حدود واشنطن، يرفض المجتمع الدولي تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ساحة حرب باردة غايتها الردع العسكري والاقتصادي. وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، رسم الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، صورة مضادة تماماً لرؤية ترامب الحمائية.
واستند غوتيريش إلى تقرير علمي أممي يحذر من "احتمال طفيف لكنه حقيقي لوقوع أضرار كارثية ولا رجعة فيها للبشرية، وحذر غوتيريش بعبارات تنذر بالشؤم من مخاطر منح الآلات قرار الحياة والموت في النزاعات المسلحة، داعياً إلى خضوع تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي لإشراف دولي ومتعدد الأطراف لضمان بقائها في خدمة الرفاه البشري، لا أدوات للتدمير أو الهيمنة الجيوسياسية.
وعلى الصعيد السلوكي العام، أظهر استطلاع حديث أجرته وكالة رويترز  أن الموقف الرسمي الأمريكي يغرد خارج سرب القناعات الشعبية؛ إذ عبّر 73 % من الأمريكيين عن قلقهم من تقاعس الشركات عن كبح المخاطر، بينما أكد 73% منهم أيضاً أن التطوير الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي هو أكثر أهمية بكثير من الحفاظ على صدارة الولايات المتحدة على حساب الدول الأخرى.


هل بدأت الحرب فعلياً؟

الواقع يؤكد أننا لسنا على أعتاب حرب تكنولوجية، بل نحن في قلب المعركة وبأعلى مستوياتها. فما يحدث اليوم من بناء جدران حمائية حول الملكية الفكرية، وحظر سلاسل التوريد الخاصة بأشباه الموصلات، وفرض مصطلحات سيادية، يعيد إلى الأذهان تفاصيل سباق التسلح النووي في القرن العشرين.
الاتفاق الوحيد الذي تمخضت عنه اللقاءات الدبلوماسية الأخيرة بين واشنطن وبكين هو إنشاء "خط اتصال ساخن للطوارئ" خاص بالذكاء الاصطناعي، وهو اعتراف صريح وضمني من القوتين العظميين بأن الأنظمة المستقلة والعسكرية قد تتسبب في اندلاع نزاع مسلح غير مقصود نتيجة خطأ برمجي أو قرار خوارزمي مستقل.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن العالم ينقسم اليوم إلى معسكرين، الأول يقوده ترامب حيث يرى الابتكار المتسارع وحمايته مسألة بقاء قومي وسيادة اقتصادية، وجبهة ثانية  دولية علمية ومجتمعية تحذر من أن هذا الاندفاع الأعمى نحو "الذكاء الفائق" قد ينتهي بكارثة تخرج تماماً عن نطاق السيطرة البشرية قبل نهاية العقد الحالي.