لم يكن اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق مجرد حدث عسكري يطوي صفحة امتدت لأكثر من عقدين، بل يفتح أيضاً أسئلة اقتصادية ومالية تتجاوز الجانب الأمني، في ظل اعتماد الدولة الكبير على عائدات النفط وارتباط جزء أساسي من منظومتها المالية بالدولار الأمريكي.
ومع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي، يجد العراق نفسه أمام اختبار يتعلق بقدرته على الحفاظ على الاستقرار المالي والأمني في آن واحد، بينما يستمر النفوذ الأمريكي عبر قنوات مالية ومصرفية لا ترتبط مباشرة بوجود القوات على الأرض.
ارتباط مالي يتجاوز الوجود العسكري
يقول المحلل العراقي حازم العبيدي إن خروج القوات الأمريكية لا ينهي ارتباط العراق المالي بواشنطن، إذ تُودع عوائد النفط العراقية في حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ويعود هذا الترتيب إلى منظومة أنشئت بعد 2003 لإدارة عوائد النفط وحمايتها من مطالبات قانونية، قبل أن تتحول إلى حساب يديره البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
ويمنح هذا النظام الولايات المتحدة نفوذاً مهماً في حركة الدولار والتسويات الدولية المرتبطة بالعراق، خصوصاً في ظل العقوبات والقيود المفروضة على بعض المؤسسات المتهمة بتمويل جهات مرتبطة بإيران.
وسبق أن أدت إجراءات أمريكية لتشديد الوصول إلى الدولار إلى ضغوط على السوق الموازية للعملة في العراق واتساع الفجوة في بعض الفترات بين السعر الرسمي وسعر السوق.
اقتصاد يعتمد على النفط
ويزيد هذا الارتباط أهمية لأن النفط يمثل أكثر من 90% من إيرادات الحكومة العراقية، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، ما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأسعار النفط وحجم الصادرات واستقرار منظومة التحويلات المالية.
ويرى العبيدي أن أي اضطراب في تدفق الإيرادات أو حركة الدولار قد ينعكس سريعاً على قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام، ودفع الرواتب، وتنفيذ المشروعات.
مخاوف من ارتفاع كلفة المخاطر
ويطرح الانسحاب كذلك تساؤلات حول أثر الوضع الأمني في ثقة المستثمرين.
ويقول العبيدي إن غياب الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي قد يدفع بعض المستثمرين وشركات التأمين إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر في العراق، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة أو اضطراب البنية الأمنية.
وقد يؤدي ارتفاع علاوة المخاطر إلى زيادة كلفة تمويل المشروعات والتأمين والشحن، وهو ما قد يضغط على القطاعات غير النفطية التي تسعى بغداد إلى جذب استثمارات إليها.
الإنفاق الأمني تحت الضغط
ويرى العبيدي أن الحكومة قد تضطر إلى توجيه موارد إضافية إلى مجالات التسليح والمراقبة والاستخبارات وحماية المنشآت الحيوية، ومنها حقول النفط وخطوط الأنابيب والموانئ.
وقال إن زيادة الإنفاق الأمني قد تزاحم الإنفاق التنموي والخدمي إذا لم تقابلها زيادة في الإيرادات غير النفطية أو ضبط أكبر للمصروفات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل محدودية القاعدة الضريبية غير النفطية، إذ لا تزال الإيرادات الحكومية تعتمد بدرجة كبيرة على قطاع الطاقة.
ماذا يعني ذلك لسوق الصرف؟
يمثل سعر الدولار مقابل الدينار أحد أكثر المؤشرات حساسية للتوترات السياسية والمالية في العراق.
وقد يؤدي ارتفاع المخاطر أو تشدد القيود على التحويلات إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية، ما قد يوسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول خارج القنوات المصرفية.
لكن استمرار هذا السيناريو ليس حتمياً، إذ يتوقف على قدرة البنك المركزي على توفير السيولة بالدولار، ومستوى الاحتياطيات الأجنبية، ومدى استمرار التنسيق المالي بين بغداد وواشنطن.
كلفة التجارة والشحن
ولا يمكن تعميم القول إن العراق يستورد 80% من احتياجاته، لكن البلاد تعتمد على الخارج في جانب مهم من السلع الغذائية والاستهلاكية والمواد الوسيطة.
ولهذا، فإن أي ارتفاع في كلفة التأمين أو الشحن نتيجة زيادة المخاطر الأمنية قد ينتقل جزئياً إلى أسعار السلع في السوق المحلية.
وقد يظهر هذا الأثر بصورة أكبر في السلع المستوردة التي يصعب توفير بدائل محلية لها، بينما يبقى حجمه مرتبطاً بمستوى الاستقرار الأمني وكلفة النقل العالمية وسياسات الحكومة في دعم السلع الأساسية.
وبذلك، لا يعني الانسحاب العسكري انتهاء النفوذ الأمريكي في العراق، بل قد ينقل مركز الثقل من المجال العسكري إلى المجال المالي والاقتصادي، في وقت يواجه فيه البلد تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على الأمن وتقليل اعتماده على النفط والدولار في آن واحد.