قبل أقل من عام، بدا فول الصويا أحد مفاتيح التهدئة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بعدما أعلنت واشنطن تعهداً صينياً بشراء كميات ضخمة من المحصول الأمريكي حتى 2028. لكن المعادلة بدأت تتغير، فالمخزونات الصينية ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، والطلب المحلي يتباطأ، فيما تفضل المصانع الخاصة إمدادات أمريكا الجنوبية، بينما لا يزال فول الصويا الأمريكي خاضعاً لرسوم إضافية تقلص جاذبيته التجارية.

تعود القصة إلى التفاهم التجاري الذي توصل إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في 2025. ووفقاً للبيت الأبيض، تعهدت الصين بشراء ما لا يقل عن 12 مليون طن من فول الصويا الأمريكي خلال الشهرين الأخيرين من ذلك العام، ثم 25 مليون طن سنوياً خلال 2026 و 2027 و 2028، بإجمالي 75 مليون طن خلال السنوات الثلاث.

ويختلف هذا التعهد عن تفاهم زراعي آخر أُعلن في مايو (أيار) 2026، قالت واشنطن بموجبه إن بكين وافقت على شراء منتجات زراعية أمريكية أخرى، إضافة إلى فول الصويا، بـ 17 مليار دولار سنوياً حتى 2028، بحسب "رويترز".

وبالتالي، لا يوجد تعهد منشور بشراء فول صويا بـ 17 مليار دولار سنوياً، فالرقم الخاص بالمحصول محدد بالكمية وليس بالقيمة. وعند سعر افتراضي يبلغ 590 دولاراً للطن، تعادل 25 مليون طن 14.75 مليار دولار، لكن ذلك تقدير حسابي وليس قيمة منصوصاً عليها في التفاهم.

هل التعهد ملزم؟

تظهر هنا إحدى أهم نقاط القضية. فالبيت الأبيض يقول إن الصين "ستشتري" ما لا يقل عن 25 مليون طن سنوياً حتى 2028، لكن الموقف الصيني أكثر تحفظاً.

فوزارة التجارة الصينية وصفت ما اتفق عليه البلدان في التجارة الزراعية بأنه "هدف توجيهي" لتوسيع المبادلات، مؤكدة أن الشركات تجري معاملاتها بصورة مستقلة وفق الطلب وظروف السوق.

كما لم يُنشر نص تفصيلي يحدد آلية إلزام الصين بشراء الكمية أو العقوبات المترتبة على عدم بلوغها. لذلك، فإن الأدق وصف الرقم بأنه تعهد تجاري أعلنته واشنطن، وليس عقد شراء منشوراً بسعر وجدول زمني وعقوبات محددة.

"دبلوماسية شي".. هل اقتنصت الصين صدارة العالم من ترامب وبوتين؟ - موقع 24قالت صحيفة "ذا تليغراف" البريطانية، إن الرئيس الصيني شي جين بينغ يستغل اللحظة الراهنة ببراعة، ففي ظل انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، والولايات المتحدة في أزمات متعددة تشمل إيران وفنزويلا وكوبا وغرينلاند، تمكن الرئيس الصيني من تصدر المشهد الدبلوماسي العالمي. 

المعادلة تنقلب

حتى الآن، لا يمكن القول إن الصين تراجعت عن التعهد. فبحسب "رويترز"، اشترت الشركات الحكومية الصينية نحو 13.7 مليون طن من فول الصويا الأمريكي حتى نهاية سبتمبر (أيلول)، أي نحو 55% من هدف الـ25 مليون طن، ما يترك 11.3 مليون طن للوصول إلى الرقم المعلن.

لكن المشكلة أصبحت في الحاجة إلى شراء المزيد. وبلغت مخزونات فول الصويا لدى 111 مصنعاً صينياً للعصر 7.96 ملايين طن في الأسبوع المنتهي في 25 سبتمبر، وهو أعلى مستوى في 15 عاماً على الأقل.

ويتزامن تراكم المخزونات مع ضعف الطلب على أعلاف الحيوانات وتراجع هوامش العصر، ما يجعل معالجة بعض الشحنات المستوردة خاسرة. وفي مؤشر آخر على وفرة المعروض، لم يُبع سوى 37.3% من 514 ألف طن طرحتها شركة الاحتياطيات الحكومية "سينوغرين" في أحدث مزاد.

"رهان بكين الأكبر".. هل تنقذ التكنولوجيا اقتصاد الصين من فخ الديون؟ - موقع 24نشرت صحيفة "ذا إيكونوميست" البريطانية تحليلاً موسعاً يسلط الضوء على "تناقض عميق" في الاقتصاد الصيني، حيث تعيش طموحات الابتكار التكنولوجي جنباً إلى جنب مع الركود الاقتصادي. 

بدائل أرخص

في الوقت نفسه، لا تواجه الصين نقصاً يفرض عليها زيادة مشترياتها الأمريكية. فقد غطت مصانع خاصة جانباً كبيراً من احتياجاتها بإمدادات من البرازيل والأرجنتين والاحتياطيات الحكومية.

ويواجه المحصول الأمريكي عقبة إضافية تتمثل في استمرار رسم صيني بـ 10%، بعدما استُبعد فول الصويا من المنتجات الزراعية الأمريكية التي شملتها التخفيضات الجمركية الأخيرة. وهذا يجعل الشحنات الأمريكية أقل جاذبية للمشترين التجاريين، ويساعد في تفسير تركز جانب كبير من المشتريات لدى شركتي "سينوغرين" و "كوفكو" الحكوميتين، مقابل اتجاه القطاع الخاص إلى أمريكا الجنوبية.

حصن اقتصادي.. خطة الصين لحماية ثرواتها في عصر الانقسام العالمي - موقع 24قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إن الصين تبني "حصناً اقتصادياً" لمنع خروج الأموال والتكنولوجيا والشركات من البلاد، في ظل تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وأوروبا.

هل تفي الصين بتعهداتها؟

من حيث القدرة، تستطيع الصين شراء 25 مليون طن، فهي أكبر مستورد لفول الصويا عالمياً. لكن السؤال يتعلق الآن بالجدوى الاقتصادية من شراء المزيد في ظل وفرة المخزونات وضعف هوامش العصر وتوافر بدائل أكثر جاذبية.

وهنا تصبح الشركات الحكومية مفتاح تنفيذ التعهد. فإذا لم ير القطاع الخاص جدوى في شراء المحصول الأمريكي، إذ يتطلب الوصول إلى 25 مليون طن من الشراء لتعزيز المخزونات أو تلبية الاحتياجات المستقبلية.

ولا توجد حتى الآن إشارة رسمية إلى تخلي بكين عن التفاهم، لكن الأشهر المتبقية من 2026 ستختبر طبيعته: هل تواصل الصين الشراء للوصول إلى الرقم الذي أعلنته واشنطن، أم تفرض حسابات الأسعار والطلب والمخزونات مساراً مختلفاً؟ المؤكد أن المعادلة تغيرت؛ فالصين قادرة على شراء المزيد من فول الصويا الأمريكي، لكنها لم تعد بحاجة إليه بالدرجة نفسها. وبين تعهدات واشنطن وحسابات السوق في بكين، تحول فول الصويا مجدداً إلى اختبار لمدى صمود التفاهم التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.