تتفاقم أزمة الدواء في إيران مع تسجيل قفزات "حادة" في الأسعار ونقص مُستمر في مئات الأصناف داخل الصيدليات، رغم إنتاج البلاد لأكثر من 80% من احتياجاتها محلياً، وذلك في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل وتراجع قيمة العُملة، وتشديد القيود على حركة التجارة.
د. نسمة عبدالنبي: استمرار نقص الأدوية سيؤدي إلى نتائج صحية كارثية على المدى الطويل ويُفاقم الأمراض المزمنة، تزامناً مع الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية وصعوبة التدفقات المالية والنقدية، وحالة التضخم التي وصلت إلى ٨٨ ٪.
ارتفعت أسعار الأقراص الضرورية لمرضى غسيل الكلى 350% في الأشهر الأخيرة، وكذلك أسعار مسكنات الألم التي تُصرف بدون وصفة طبية مثل الباراسيتامول. فيما تعادل تكلفة جلسة واحدة لعلاج مريض السرطان 6 أضعاف الحد الأدنى للأجور.
وعلى الرغم، من عدم ظهور مؤشرات على نقص حاد في الأدوية بالمستشفيات الإيرانية، إلا أن صيدليات البلاد تواجه صعوبات كبيرة في توفير بعض العلاجات للمواطنين، ما يترك المرضى وعائلتهم في حالة من الفوضى، وفق "اسوشيتد برس".
لم تُعلن الحكومة الإيرانية عن حجم انخفاض إنتاج الأدوية، لكن مسؤولون يكشفون عن تضرر 40 مصنعاً للأدوية جراء الغارات الأمريكية، من بينها مصانع تُنتج علاجات السرطان.
جلسة مريض السرطان 6 أضعاف الحد الأدنى للأجور
من جانبها تصف الدكتورة نسمة عبدالنبي، أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة بني سويف بمصر، أزمة الدواء الإيرانية بـ "الحادة والمتفاقمة"، بل تراها الأصعب و الأسوأ في تاريخ إيران، نتيجة تشابك عدة عوامل سياسية واقتصادية وعسكرية فيها.

د. نسمة عبدالنبي
وتوضح عبدالنبي لـ "24"، أن الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية وهي الممر الرئيسي لاستيراد الأدوية والمواد الخام مُنذ يونيو (حزيران) الماضي، بجانب العقوبات وصعوبة التدفقات المالية والنقدية، وحالة التضخم التي وصلت إلى 88%، وكذلك تقليص ميزانية الأدوية إلى النصف، تزامناً مع تضرر البنية التحتية للإنتاج الدوائي، جميعها عوامل وقفت خلف تدهور هذا القطاع.
وبحسب الخبيرة المصرية، فإن استمرار نقص الأدوية سيؤدي إلى نتائج صحية كارثية على المدى الطويل ويُفاقم الأمراض المزمنة، ضاربةً المثل بجلسات العلاج الكيميائي لمرضى السرطان التي تعطلت جراء تكلفتها الباهظة والتي وصلت الجلسة الواحدة فيها إلى 6 أضعاف الحد الأدنى للأجور، بجانب تكلفة أقلام الأنسولين الشهرية التي ارتفعت من 280 ألف تومان إلى 1.1 مليون تومان بعد التأمين.
تعديل أسعار 2000 دواء
من جانبه، أعلن مهدي بيرسالي، رئيس الوكالة الحكومية المخول لها تحديد أسعار الأدوية، الأسبوع الماضي، تعديل أسعار 2000 نوع دواء، على مدى الأشهر الستة الماضية بسبب التضخم ومشاكل العملة.

كما أعلنت جمعية الصيادلة الإيرانيين، مطلع سبتمبر (أيلول)، أن نحو 800 منتج دوائي يعاني نقصاً في أنحاء البلاد، بينها 90 دواء أساسياً أو منقذاً للحياة، في حين قالت إن نحو 400 من الأصناف الناقصة مصنعة محلياً.
وارتفعت أسعار الأقراص الضرورية لمرضى غسيل الكلى، على سبيل المثال، بنسبة تقارب 350% في الأشهر الأخيرة، وكذلك أسعار مسكنات الألم التي تُصرف بدون وصفة طبية، مثل الباراسيتامول.
وأفادت تقارير أيضاً بارتفاع سعر الغابابنتين 220%، والأسيتامينوفين 375%، والأموكسيسيلين 285%، والفلوكسيتين 100% خلال عام، بينما وصل سعر بعض أنواع الإنسولين إلى ستة أضعاف.
ورغم إنتاج إيران، وفق البيانات الرسمية، أكثر من 80% من أدويتها محلياً، فإن جزءاً مهما من المواد الخام والمكونات المستخدمة في الصناعة الدوائية يعتمد على مواد خام مستوردة، تزامناً مع تعديل مسارات الشحن من الاعتماد على النقل البحري إلى الجوي.
وقال وزير الصحة الإيراني محمد رضا ظفرقندي في 14 سبتمبر (أيلول)، إن تكلفة نقل الدواء ارتفعت إلى 10 أضعاف المستوى المعتاد عندما أصبح من الضروري اللجوء إلى مسارات جوية وبرية بدلاً من النقل البحري.

فيما ترفض البنوك الأجنبية تنفيذ التحويلات الخاصة بالدولاء إلى إيران خشية الوقوع في نطاق العقوبات؛ وقد تتردد شركات الشحن أو الشركات الدوائية في التعامل مع السوق الإيرانية، وهو ما يخلق فجوة بين المُعاملات المسموح بها والمتفق عليها وبين إمكانية تنفيذها فعلياً.
أزمتا السيولة والتضخم في "قلب" المعادلة
الأزمة لا تتعلق بالنقل والاستيراد فقط، إذ تعاني الصيدليات الإيرانية من ضائقة مالية يصعب خلالها توفير الأدوية الكافية، تزامناً مع تأخر شركات التأمين في سداد مستحقات الصيدليات لتغطية الأدوية لمدة تصل إلى تسعة أشهر، فيما تُقدر قيمة المستحقات المتأخرة بنحو 270 مليون دولار.
كما تبرز أسعار المواد الخام المستخدمة في الصناعة كعامل رئيس بالأزمة، فبحسب هادي أحمدي، المتحدث باسم جمعية الصيادلة الإيرانيين، فإن سعر الصرف المستخدم في جزء كبير من مدخلات صناعة الدواء ارتفع من نحو 28,500 تومان إلى قرابة 160 ألف تومان، ما رفع تكلفة الحصول على المواد الخام بأكثر من 5 أضعاف.
وتدخل أزمة التضخم على مسار الضغوطات، إذ تشير البيانات إلى أن الأزمة الدوائية تحدث داخل اقتصاد يعاني أصلاً من تضخم شديد، فبحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني لشهر أغسطس (آب)، بلغ التضخم على أساس سنوي نقطي 89%، بينما بلغ متوسط التضخم السنوي خلال 12 شهراً 69.9%، وبلغ تضخم الغذاء والمشروبات نحو 127.5%.