تترقب الأسواق المالية العالمية، اليوم الجمعة، صدور حزمة من المؤشرات الاقتصادية الأمريكية الحاسمة، حيث تتجه الأنظار أولاً إلى تقرير الوظائف الشهري الرئيسي، يليه تقرير طلبيات المصانع لقراءة نبض القطاع الصناعي.

وتكتسب البيانات أهمية استثنائية في هذا التوقيت، نظراً إلى الانقسام الحاد في الرؤية الاستثمارية، إذ تراجعت توقعات المستثمرين لإقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) على رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل بشكل مفاجئ إلى 24% فقط، بعد أن كانت الاحتمالات تتجاوز 70% في وقت سابق.

وبناءً على ذلك، ستكون أرقام اليوم بمثابة الفيصل الاستراتيجي، فإما أن تدعم سيناريو تثبيت الفائدة السائد حالياً، أو تمنح البنك المركزي المبرر الكافي للاستمرار في تشديد سياسته النقدية.

تقرير الوظائف

ويمثل تقرير الوظائف الحكومي الشهري، الذي يصدره مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، حجر الزاوية في تقييم صحة الاقتصاد الكلي، ويضم ثلاثة مؤشرات رئيسية مترابطة بشكل وثيق، تقودها أرقام التوظيف في القطاع الخاص غير الزراعي.

وتشير التوقعات الاقتصادية العامة إلى احتمالية إضافة الاقتصاد الأمريكي نحو 90,000 وظيفة خلال سبتمبر(أيلول)، مقارنة بـ162,000 وظيفة تم تسجيلها في تقرير أغسطس(آب) السابق.

ويعكس التباطؤ المتوقع في عدد الوظائف حالة من الهبوط الناعم أو تبريد سوق العمل الساخن، لكن هذا الرقم الرئيسي يشهد انقساماً لافتاً في تقديرات كبرى المؤسسات البنكية.

ويتخذ "بنك أوف أمريكا" و"دويتشه بنك" نظرة محافظة للغاية، بتوقع إضافة 60,000 وظيفة فقط، مبررين ذلك بتراجع النماذج التقليدية ومؤشرات التوظيف الأولية.

وفي المقابل، تتوقع مجموعة "سيتي جروب" الاستثمارية رقماً يقارب 85,000 وظيفة، وهو الأقرب إلى متوسط إجماع السوق، بينما تشير منصات التنبؤ القائمة على رأس المال الفوري إلى احتمالية تجاوز البيانات 90,000 أو 100,000 وظيفة، وهو ما تدعمه مجموعة "أوسي بي سي" المصرفية، التي أشارت إلى أن التراجع المستمر في طلبات إعانات البطالة الأسبوعية يرفع احتمالات حدوث مفاجأة صعودية في التوظيف.

معدل البطالة

وبالانتقال إلى معدل البطالة الأمريكية، تشير التقديرات الجماعية للمؤسسات الدولية إلى استقرار معدل البطالة عند 4.1% للشهر الثالث على التوالي.

وترى المؤسسات الاستثمارية أن بقاء معدل البطالة عند هذا المستوى المنخفض تاريخياً يعكس مرونة قوية في الاقتصاد، إلا أن أي ارتفاع مفاجئ إلى 4.2% أو أكثر، كما تلمح "سيتي جروب" كسيناريو محتمل، قد يثير مخاوف الأسواق من دخول الاقتصاد في مرحلة ركود أعمق.

ويتزامن ذلك مع مراقبة متوسط الأجور في الساعة، وهو المقياس الفعلي للتضخم الناجم عن سوق العمل، حيث تتوقع الأسواق ارتفاع نمو الأجور السنوي إلى 3.2% مقارنة بـ3.1% في أغسطس(آب)، بينما يتوقع خبراء أن يحافظ النمو الشهري على وتيرة 3%. وتعني الأجور القوية استمرار القوة الشرائية للمستهلك، مما يمنح الفيدرالي الضوء الأخضر لإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

طلبيات المصانع

وبعد ساعة ونصف من صدور بيانات التوظيف، سيصدر مكتب التعداد الأمريكي تقرير طلبيات المصانع لشهر سبتمبر(أيلول)، حيث تشير التوقعات إلى نمو متواضع يقدر بنحو 2%، مقارنة بالقراءة السابقة البالغة 0.9%.

وعلى الرغم من أن مؤشر معهد إدارة الإمدادات الصناعي الأخير أظهر توسعاً في النشاط الصناعي عند 54.5%، مدفوعاً بطلبيات جديدة قوية، فإن المؤسسات الاستثمارية تراقب هذا التقرير بحذر، إذ يواجه القطاع الصناعي ضغوطاً متزايدة، نتيجة ارتفاع تكاليف المدخلات وأسعار وقود الديزل التي سجلت مستويات قياسية، بالإضافة إلى المخاوف الجيوسياسية الناجمة عن التوترات في الشرق الأوسط وحروب التعرفة الجمركية المستمرة مع كندا.

وبالتالي، فإن أي قراءة سلبية لطلبيات المصانع ستؤكد أن التشديد النقدي بدأ يضغط بقوة على قطاع الإنتاج الحقيقي.

الرؤية الاستثمارية

تجمع المؤسسات المالية الدولية على أن انحراف الأرقام الفعلية اليوم عن التوقعات سيخلق تحركات سعرية حادة في الأسواق.

وتتلخص الرؤية الاستثمارية في سيناريوهين أساسيين، إذ يشير السيناريو الأول إلى صدور بيانات أقوى من المتوقع، بإضافة أكثر من 100,000 وظيفة ونمو أجور مرتفع، مما يعزز احتمالات قيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بـ25 نقطة أساس في اجتماع أكتوبر(تشرين الأول).

وسيؤدي ذلك إلى صعود قوي للدولار الأمريكي وعوائد السندات، وهبوط حاد للذهب تحت مستويات الدعم، وضغط بيعي على أسهم التكنولوجيا.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في صدور بيانات مخيبة للآمال، كأن تأتي الوظائف دون 70,000 وظيفة مع ارتفاع البطالة، مما يرسخ توقعات الأسواق الحالية القائمة على تثبيت الفائدة بنسبة تتجاوز 74%، وهو ما سيقود إلى تراجع مؤشر الدولار وعوائد السندات، وقفزة سعرية كبرى للذهب، وانتعاش أسواق الأسهم نتيجة التفاؤل بالتيسير.

زاوية مغايرة

وفي تعليق لافت من مجموعة "آي إن جي" المصرفية، أشار رئيس الأسواق العالمية كريس تيرنر إلى زاوية مغايرة، إذ يرى أنه نظراً إلى النمو المنخفض هيكلياً في القوة العاملة الأمريكية، فإن حدوث خيبة أمل طفيفة في الرقم الرئيسي قد لا يضغط بشكل مستدام ومفرط على الدولار أو العوائد، لأن الأساس الاقتصادي العام لا يزال متماسكاً بفعل الأجور.

أما محللو سيتي جروب، فقد ركزوا على أن التوظيف وحده ليس المحرك الوحيد الآن، بل إن الأجور هي نقطة الارتكاز الحقيقية، فإذا واصلت الأجور التباطؤ، سيشعر مسؤولو الفيدرالي بعدم الارتياح من استمرار خنق سوق العمل بفوائد مرتفعة، مما قد يدفعهم إلى التريث والتحول نحو التثبيت.

وفي النهاية، تظل أسواق المال اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، حيث ستحدد هذه البيانات المزيج الاستثماري الأمثل للربع الأخير من العام الحالي، وتحدد مسار السياسة النقدية الأكبر في العالم.