قبل ساعات من إعلان استقالته، كان وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد يطمئن مواطنيه بأن أموال النفط المباع "لا تزال تصل، وستستمر". لكن الأحد حمل خبر رحيله عن الوزارة، في توقيت يكشف أن الأرقام على الأرض كانت تروي قصة مختلفة.
ووفقاً لوكالة "رويترز"، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية استقالة محسن باك نجاد، الذي يشغل المنصب منذ أغسطس (آب) 2024- دون ذكر أي سبب، وتعيين حميد بورد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية، قائماً بأعمال الوزير.
استقالة وزير النفط الإيراني وتعيين حميد بورد قائماً بالأعمال - موقع 24أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، الأحد، بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد استقال، وأن حميد بورد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية المملوكة للدولة، سيتولى منصب القائم بأعمال الوزير.
وتأتي استقالة باك نجاد بينما يضغط الصراع المستمر منذ سبعة أشهر بين إيران والولايات المتحدة على اقتصاد البلاد. فلماذا يرحل وزير النفط في ذروة الحرب؟.
أولاً.. نفط دون طريق إلى المشترين
القطاع الذي يقوده باك نجاد هو الأكثر تضرراً من الحصار البحري الأمريكي. فوفقاً لصحيفة "واشنطن إكزامينر"، أعادت واشنطن فرض الحصار في 14 يوليو (تموز)، ومضى قرابة شهرين ونصف الشهر دون وصول أي ناقلة نفط إيرانية جديدة إلى الموانئ الصينية، رغم أن الصين آخر عميل رئيسي لطهران.
وما تبقى من إيرادات يأتي من مخزون يتآكل. فبحسب مجلة "فورتشن"، لا تزال إيران تحصل على عائدات محدودة من نفط كان محمّلاً على ناقلات في البحر قبل إعادة فرض الحصار. وقدرت شركة "كبلر" لتحليل بيانات السلع هذه الكميات بنحو 90 مليون برميل، وتوقعت أن تنفد بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.
الوزير يطمئن... وواشنطن تنفي
هنا تبرز المفارقة. فتصريح باك نجاد الأخير عن استمرار تدفق العائدات جاء بعد أيام قليلة من تصريحات وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، لموقع "أكسيوس"، التي قال فيها إن "إيران لن يكون لديها أي نفط عائم في البحر هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ بدأت إنتاج النفط، ولن تحقق أي إيرادات".. ولم يمر على هذه التصريحات سوى يوم واحد حتى غادر الوزير منصبه.
شاهد| بيسنت: إيران بلا نفط عائم أو إيرادات - موقع 24قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن إيران لن يكون لديها، هذا الأسبوع، أي شحنات نفط في البحر للمرة الأولى منذ بدأت إنتاج النفط، وإنها لن تحقق إيرادات من صادراته، في ظل الحصار البحري الأمريكي وتشديد العقوبات الاقتصادية.
السبب الثاني.. اقتصاد في حالة انهيار
لا يمكن فصل الاستقالة عن الأزمة الاقتصادية الأوسع. فبحسب "فورتشن"، يقترب التضخم من 90%، ويُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي 5.4% هذا العام، فيما ارتفعت البطالة وفرضت السلطات تقنين استهلاك الطاقة.
وتتحدث الأرقام الرسمية الإيرانية نفسها عن الأزمة. فوفقاً لـ"واشنطن إكزامينر"، قدّر وزير الاقتصاد الإيراني، عبد الناصر همتي، التضخم السنوي في سبتمبر (أيلول) بـ83.8%.
أما العملة، فبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، هبط الريال الإيراني الثلاثاء الماضي إلى مستوى قياسي جديد تجاوز 2.5 مليون ريال للدولار، بعد 27 يوماً فقط من تسجيله قاعاً سابقاً عند 2.2 مليون.
"النفط الخليجي" يملأ الفراغ
في المقابل، تتجه أسواق الطاقة في الاتجاه المعاكس على الضفة الأخرى من الخليج. فبحسب "فورتشن"، رفع الخليجيون صادراتهم النفطية بشكل ملحوظ، لتفقد "ورقة هرمز" ثقلها في يد طهران.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحول. فوفقاً لبيانات شركة "كبلر" لتحليل بيانات السلع التي نقلتها وكالة "رويترز"، ارتفعت صادرات النفط الخام من كبار منتجي الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) إلى 16.33 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع حرب، بدعم من زيادة الشحنات الخليجية.
شريان هرمز يستعيد أنفاسه.. تدفقات الخام الخليجي تنتعش - موقع 24أظهرت بيانات من شركة "كبلر" أن إجمالي صادرات النفط الخام من الدول المنتجة الرئيسية في الشرق الأوسط، انتعش في سبتمبر (أيلول) الجاري، ليصل إلى 16.328 مليون برميل يومياً، مسجلاً أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في فبراير (شباط)، بدعم من زيادة الشحنات الخليجية وتعافي حركة ...
والأهم أن جزءاً متزايداً من هذا النفط لم يعد يمر عبر المضيق أصلاً. فبحسب "كبلر"، عادت صادرات دول الخليج، باستثناء إيران، إلى مستويات ما قبل الحرب. وباتت نحو 40% من هذه الصادرات تخرج دون عبور هرمز، مقارنة بـ17% فقط قبل الحرب، مع اعتمادها بشكل أكبر على خطوط الأنابيب.
ولا يقتصر التعافي على دول الخليج. فالعراق، ثاني أكبر منتج في "أوبك"، بدأ يبحث عن طرق جديدة لتسويق نفطه بعيداً عن قيود المضيق. فبحسب وكالة الأنباء العراقية "واع"، أعلنت شركة ناقلات النفط العراقية السبت نقل مليوني برميل من النفط الخام على متن ناقلة عملاقة إلى خارج مضيق هرمز، في أول عملية من هذا النوع تتولاها الشركة منذ عقود، بهدف نقل جزء من عمليات البيع من التسليم في ميناء البصرة إلى التسليم خارج المضيق، بما يمنح شركة تسويق النفط العراقية "سومو" فرصاً أفضل للبيع والتسعير.
العراق ينقل مليوني برميل خارج هرمز عبر ناقلاته لأول مرة منذ عقود - موقع 24أعلنت شركة ناقلات النفط العراقية، السبت، تنفيذ عملية نقل مليوني برميل من النفط الخام العراقي بواسطة ناقلة عملاقة من نوع "VLCC" إلى خارج مضيق هرمز، في أول عملية من هذا النوع تتولاها الشركة منذ عقود، ضمن مساعٍ لتعزيز مرونة تسويق الخام العراقي.
ولم تقدم طهران تفسيراً رسمياً لرحيل وزير نفطها، لكن الأرقام تكفي لرسم الصورة: صادرات متوقفة، ومخزون عائم على وشك النفاد، وعملة تسجل قيعاناً جديدة كل بضعة أسابيع. ووفقاً للدستور الإيراني، أمام حميد بورد ثلاثة أشهر كحد أقصى لإدارة الوزارة بالوكالة، قبل أن يقدم الرئيس مرشحه الدائم إلى البرلمان لنيل الثقة. ثلاثة أشهر لإدارة وزارة تبحث عن مشترين لنفط لا يجد طريقاً إلى البحر.