بعد سنوات طويلة من أزمة المصانع المتعثرة في مصر، التي بدأت في نهاية حقبة التسعينيات وتفاقمت عقب ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) و30 يونيو (حزيران)، أطلقت الحكومة المصرية صندوقاً برأس مال مليار جنيه (20 مليون دولار) لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة، في محاولة جديدة لإعادة تشغيل آلاف المصانع ودعم الصناعة المصرية.
تُظهر بيانات حكومية، وفق وزير الصناعة السابق كامل الوزير، حصر 7422 مصنعاً متعثراً، وإعادة تشغيل 1420 مصنعاً منها حتى نهاية 2025. وتستهدف مصر إعادة تشغيل باقي المنشآت المتعثرة عبر صندوق استثماري جديد يركز على المصانع التي لا تزال تملك أصولاً ومنتجات وأسواقاً تتيح عودتها إلى الإنتاج، مع معالجة أسباب الخلل قبل ضخ الاستثمارات.
وترتكز الفكرة على دخول الصندوق مساهماً في رأس مال الشركات المتعثرة، بالتوازي مع إعادة هيكلة ديونها، وضخ السيولة اللازمة، وتحسين الكفاءة التشغيلية، بحيث يرتبط التمويل بخطة عمل واضحة تُعيد المصنع إلى عجلة الإنتاج وتحقق عائداً استثمارياً مجدياً.
ما هي المبادرة الجديدة؟
تستهدف المبادرة، وفق إعلان وزارة الصناعة والبنك المركزي المصري، المصانع المتعثرة مالياً وفنياً من خلال صندوق برأس مال مليار جنيه تديره شركة "سي آي كابيتال" المالية لضمان تطبيق الإجراءات الاحترافية وعمليات التقييم الاستثماري.
ويقول مسؤول حكومي مصري لـ "24": "يجري العمل حالياً على اللائحة التنفيذية والخطوات المتعلقة بعمل المبادرة، وسيتم إعلانها قريباً للبدء الفعلي في التنفيذ"، مشيراً إلى أنها مبادرة مشتركة بين عدد من البنوك المصرية وهيئة التنمية الصناعية وشركة "سي آي كابيتال".
وأوضح المسؤول أنه يتم استقبال طلبات المصانع عبر الموقع الإلكتروني لـ "منظومة دعم المصنعين الرقمية" التابعة للوزارة لتقييم كل حالة وفق جدواها الاقتصادية، ثم تصنيف المصانع في مجموعات لمعالجة المديونيات بحزم تمويلية ميسرة، مع توفير خبراء متخصصين للمصانع التي تواجه مشكلات فنية لإعادة هيكلة خطوط الإنتاج والإدارة وضمان استدامة التشغيل.
المصنع القائم يوفر وقتاً للمستثمر
من جهته، يوضح الرئيس التنفيذي السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، حسام هيبة لـ "24"، أن وجود مصنع قائم يمنح المستثمر ميزة تنافسية كبيرة مقارنة بإنشاء مشروع جديد من الصفر؛ حيث يستفيد من جاهزية الأرض والمباني والتراخيص والمرافق والخبرات البشرية، وهو ما يختصر مدى زمنياً قد يستغرق عامين إلى ثلاثة أعوام في حال تأسيس مشروع جديد.
ويربط هيبة الاستفادة من المنشآت القائمة بطبيعة التعثر نفسها؛ فالمصانع التي تعاني نقصاً في السيولة أو أزمات الإدارة تكون قابلة للتعافي، بينما تتطلب المصانع التي تعاني تقادم التكنولوجيا أو تراجع الطلب دراسة أكثر عمقاً وحذراً.
وأضاف أن قرار المستثمر يرتبط بفحص دقيق للديون والالتزامات الضريبية والتأمينية وحالة المعدات وتكلفة تأهيلها وجدوى المنتج سوقياً، مؤكداً أن المصنع القائم يتحول إلى فرصة أسرع بشرط قابليته للاستمرار.

حسام هيبة
ما أسباب التعثر؟
بالتوازي، يفسر رئيس غرفة الصناعات الهندسية، محمد المهندس، أسباب تعثر المصانع لـ "24" قائلاً: "هناك عقبات مالية وتراكم للديون بسبب ارتفاع أعباء القروض والفوائد، وتفاقمت الأزمة مع تحرير سعر الصرف في مارس (آذار) 2024 وارتفاع أسعار المستلزمات والمواد الخام المستوردة".
وأشار المهندس إلى وجود أسباب أخرى تتعلق بسوء الإدارة داخل المصانع نتيجة ضعف التسويق أو سوء إدارة خطوط الإنتاج. وفيما يخص مطالب المصانع، قال المهندس: "نحن في انتظار لائحة المبادرة وشروطها وتفاصيلها بالكامل من وزارة الصناعة حتى نستطيع تحديد مطالبنا بدقة".
إعادة الأصول للإنتاج
يتفق الخبراء على أن أهمية الصندوق تكمن في كونه أداة استثمارية لإعادة تحريك الأصول الصناعية المجمدة وتوجيه التمويل للمنشآت القابلة للحياة، بدلاً من مجرد ضخ سيولة مالية؛ ويوضح خبير الاقتصاد الدكتور خالد الشافعي لـ "24"، أن المصنع المستهدف يحتاج إلى أصل إنتاجي قابل للاستغلال وسوق يمكن العودة إليها.
ويلفت الشافعي إلى أن نجاح النموذج سيعطي إشارة إيجابية للقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية لدخول حالات مشابهة استغلالاً للأصول القائمة بدلاً من تأسيس مشروعات جديدة، مشدداً على أن نتائج الاستثمارات الأولى ستكون الحاكم الرئيسي لقدرة الصندوق على التوسع مستقبلاً وجذب شركاء جدد.
الخبير الاقتصادي خالد الشافعي
وتؤيد هذا الطرح خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، الدكتورة هدى الملاح، لـ "24"، مشيرة إلى أن مبلغ المليار جنيه يمثل بداية مؤثرة عند توجيهه لمصانع ذات جدوى تشغيلية، ما يسهم في رفع الإنتاج المحلي، وتنشيط سلاسل الإمداد والنقل.

هدى الملاح خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية
وتضيف أن تشغيل المنشآت التي تملك منتجات مطلوبة محلياً أو فرصاً تصديرية يساعد في الحد من فاتورة الاستيراد، ويعزز استغلال أصول قائمة بدلاً من تركها معطلة.
هل ستنجح المبادرة هذه المرة؟
لم تكن هذه المبادرة الأولى لدعم المصانع المتعثرة، إذ سبق أن طرحت الحكومة المصرية 4 مبادرات سابقة بين عامي 2019 و2024 لإسقاط المديونيات وتوفير السيولة.
ويوضح الخبير الاقتصادي رشاد عبده لـ "24" أنه لابد من وضع تعريف دقيق للمصنع المتعثر داخل المبادرة الجديدة لتقديم العلاج اللازم، مشيراً إلى أن التعثر لا يعني الأزمات المالية فقط؛ بل يشمل التعثر الإداري والتشغيلي الذي يؤدي لتوقف خطوط الإنتاج والعجز عن سداد الالتزامات للبنوك والضرائب والأجور.
وأكد عبده أن المبادرة يجب أن تصنف المصانع إلى مجموعات وتضع حلولاً نوعية لكل مجموعة لضمان نجاحها وإعادة تشغيل آلاف المصانع المتعثرة منذ سنوات.