لطالما ارتبطت المراهنات وأسواق التنبؤ بنتيجة لم تأتِ بعد؛ مباراة لم تنتهِ، أو انتخابات لم تُحسم، أو قرار ينتظر صدوره. لكن سوقاً جديدة بدأت تقلب هذه المعادلة من خلال إتاحة الرهان على أحداث وقعت بالفعل، لكن لا تزال حقيقتها محل خلاف.
وتجسد شركة "Verifact Markets" الأمريكية هذا الأمر، عقب إطلاقها مطلع الأسبوع الجاري منصة تتيح التداول على وقائع تاريخية أو أحداث مثيرة للجدل، من بينها مثلاً ما إذا كان جيفري إبستين قد توفي منتحراً، وهل تسرب فيروس كورونا من مختبر صيني أم لا.
"حيتان المستقبل".. جيل زد يقتحم أسواق التنبؤ ويختبر سلامة النظام المالي - موقع 24يدخل جيل جديد من المتداولين الشباب، خصوصاً من أبناء جيل زد، إلى "أسواق التنبؤ بالأحداث"، حيث يتداولون على نتائج المباريات والاستحقاقات الانتخابية وغيرها من الأحداث.
آلية عمل المنصة
يراهن المستخدمون على إجابتين لكل سؤال (صحيح أو خطأ)، ويعكس سعر كل خيار موقف السوق في تلك اللحظة.
لكن ارتفاع سعر "صحيح" مثلاً لا يعني أن الفرضية أصبحت حقيقة، فالسعر يعكس فقط ما يعتقده المتداولون بناءً على المعلومات المتاحة لهم في ذلك الوقت. وحتى إذا راهن معظم المشاركين على إجابة واحدة، تظل النتيجة معلقة إلى أن تظهر أدلة يمكن التحقق منها.
وتفحص المنصة مصادر المعلومات التي يقدمها المتداولون، ومدى إمكانية التحقق منها وصلتها بالسؤال، إلى جانب البيانات التي تجمعها أنظمتها.
وتستخدم الشركة مستوى ثقة يتجاوز 90% كمثال على الحد المطلوب لحسم بعض الرهانات، وفقاً لقواعد كل رهان.

كيف تتحول الحقيقة إلى سعر؟
لا ينتظر المتداول بالضرورة نهاية الرهان حتى يحقق مكسبه، فإذا اشترى خيار "صحيح" بـ62 سنتاً، ثم ارتفع سعره إلى 75 سنتاً، يستطيع بيعه بهذا السعر وتحقيق الفرق. أما إذا احتفظ بالرهان حتى الإغلاق، فتتحدد مستحقاته وفق النتيجة النهائية.
وإذا لم تكفِ الأدلة لحسم السؤال، يمكن إغلاق الرهان باعتبارها "غير محسومة"، وعندها تُسوّى المراهنات وفق آخر سعر موثوق. فإذا بلغ سعر "صحيح" 62 سنتاً و"خطأ" 38 سنتاً عند الإغلاق، يحصل أصحاب الخيارين على هاتين القيمتين.
وبالتالي، فإن من اشترى خيار "صحيح" بـ70 سنتاً ثم أُغلقت السوق عند 62 سنتاً، يحصل على 62 سنتاً فقط. وفي الاتجاه الآخر، يستطيع من اشترى الخيار بـ62 سنتاً وباعه عند 75 سنتاً تحقيق ربح قبل معرفة النتيجة النهائية.
وتجعل هذه الآلية قيمة المعلومة جزءاً أساسياً من التداول؛ فكل دليل جديد يمكن أن يغير قناعة المشاركين، وبالتالي يغير السعر الذي تستحقه كل إجابة.

تحديات وعقبات قانونية
لا تفرض "Verifact Markets" رسوماً على المستخدمين عند الإطلاق، وتعمل تقنياً عبر شبكات البلوك تشين، مع إتاحة التداول باستخدام العملات الرقمية المستقرة.
كما تطور الشركة نظام بحث خاص لتحليل كميات كبيرة من البيانات، في محاولة لدعم عملية التحقق من الوقائع محل التداول.
لكن هذا النوع من النشاط يواجه عقبة قانونية في الولايات المتحدة، حيث يدور خلاف حول ما إذا كانت أسواق التنبؤ أدوات مالية أم شكلاً من أشكال المقامرة.
لهذا تتيح الشركة خدماتها حالياً للمستخدمين خارج الولايات المتحدة، بينما يسعى مؤسسوها إلى إيجاد مسار قانوني للعمل داخل البلاد.

نمو أسواق التنبؤ
ظهور هذا النوع من الأسواق يتزامن مع النمو السريع لأسواق التنبؤ نفسها، فمثلاً إجمالي التداول الشهري على منصتي "كالشي" و"بوليماركت" ارتفع من أقل من 5 مليارات دولار في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى 53 مليار دولار في يوليو (تموز) 2026.
وكان التداول قد بلغ 12 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ثم 17.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) 2026، قبل أن يتجاوز 25 مليار دولار شهرياً بدءاً من أبريل (نيسان).
وفي ظل هذا النمو تختبر "Verifact Markets" حدود أسواق التنبؤ نفسها، بنقلها من سؤال "ماذا سيحدث؟" إلى سؤال "ماذا حدث فعلاً؟".