فرضت الأزمة الاقتصادية الخانقة في العراق على الحكومة والبنك المركزي العراقي اتخاذ خطوة "الهروب إلى الأمام"، حيث حاصرت الأزمة الميزانية العامة للدولة نتيجة تعطل سلاسل شحن النفط عبر مضيق هرمز وموانئ البصرة الجنوبية بسبب الصراع الأمريكي الإيراني المستعر منذ أكثر من 8 أشهر.

وبناءً على قرار حكومي ملزم، اتخذ البنك المركزي العراقي إجراءً مزدوجاً لإعادة هيكلة سعر الصرف، إذ حدد سعراً 1500 دينار عراقي لشراء الدولار الواحد من وزارة المالية لتعظيم قيمة الإيرادات النفطية، ورفعه إلى 1510 دنانير عند البيع للمصارف، ليبلغ السعر النهائي الموجّه لعامة الجمهور 1520 ديناراً لكل دولار.

ووفقاً للبيانات والوثائق الرسمية الصادرة عن "المركزي العراقي"، فإن هذا التعديل في سعر الصرف يُعد الأول من نوعه منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وتحديداً منذ فبراير (شباط) 2023، إذ يمثّل خفضاً قسرياً لقيمة الدينار العراقي بنحو 15% أمام العملة الأمريكية.

تفادي انهيار الملاءة المالية للدولة 

تظهر القراءة التحليلية المالية للقرار أن الخفض الرسمي لقيمة العملة الوطنية يهدف بالدرجة الأولى إلى تفادي انهيار الملاءة المالية للدولة وتوفير غطاء نقدي محلي فوري بالدينار العراقي لتمويل الالتزامات الجارية للحكومة، وعلى رأسها رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية، والتي تشكل العبء الأكبر على الميزانية العامة في ظل انحسار التدفقات النفطية الصعبة. 

ويسهم هذا الإجراء وفقاً للرؤية المحاسبية في تقليص العجز المالي الظاهري للموازنة العامة، فالبرميل الواحد الذي يُباع بالدولار بات يرفد خزينة وزارة المالية بكمية أكبر من الدنانير بعد تحويله بالسعر الجديد، ما يمنح السلطة التنفيذية مرونة مؤقتة في إدارة أزمة السيولة الداخلية دون الحاجة لطباعة نقدية تضخمية مكشوفة. 

ومع ذلك، فإن خفض قيمة العملة المحلية ينطوي على مخاطر هيكلية، إذ أنه ينقل عبء العجز المالي مباشرة إلى كاهل الأسواق المحلية عبر قناة التضخم المستورد وأسعار الصرف الموازية، ما يُضعف الثقة طويلة الأجل بالعملة ويزيد من كلفة تمويل التجارة الخارجية للقطاع الخاص.

للمرة الثالثة منذ 2020.. العراق يُعدّل سعر صرف الدينار مقابل الدولار والشارع يترقب - موقع 24بين ضغوط المالية العامة ومتطلبات الموازنة، دخل الاقتصاد العراقي مرحلة جديدة من تعديل سعر صرف الدينار، بعدما أقر مجلس الوزراء، بناءً على توصية البنك المركزي، هيكلاً جديداً لأسعار الصرف يحدد سعر بيع الدولار للجمهور عند 1520 ديناراً.

التداعيات الفورية للقرار 

أظهرت المؤشرات الصادرة عن مراكز رصد الأسواق المحلية في بغداد والمحافظات التداعيات الفورية في الشارع التجاري عقب صدور القرار، إذ سجلت المنصات المتخصصة في تتبع حركة العملة موجة ذُعر سريعة دفعت بأسعار الصرف في السوق الموازية غير الرسمية للقفز فوراً لتتجاوز عتبة 1780 إلى 1800 دينار للدولار الواحد، وسط تحذيرات  من مستشارين اقتصاديين من تبعات  الارتفاع في تعميق الركود التضخمي وتآكل مدخرات المواطنين.

وجاء في الوثائق والبيانات الصادرة عن البنك المركزي العراقي واللجان الاقتصادية أن القرار لم يكن إجراءً اختيارياً أو هندسة نقدية عادية، بل هو خطوة حتمية فرضتها طبيعة الأزمة  الاقتصادية والمالية التي حاصرت الميزانية العامة، حيث تسبب الصراع الأمريكي الإيراني المستعر منذ أكثر من 8 أشهر في شلل شبه تام لصادرات النفط عبر مضيق هرمز وموانئ البصرة الجنوبية لعدة أشهر.

تعطل سلاسل الإمداد 

بموجب التقارير الرسمية الصادرة عن "المركزي العراقي"، فإن مبيعات الخام تغطي نحو 90% من إيرادات الدولة، ما يعني أن تعطل سلاسل الشحن هوى بالإيرادات الشهرية للعراق إلى مستويات حرجة بلغت 1.5 مليار دولار، في وقت تواجه فيه السلطات المالية والنقدية فاتورة نفقات شهرية ثابتة تفوق 8 مليارات دولار، أي أكثر من 10 تريليونات دينار شهرياً لتمويل الرواتب والأجور والمتقاعدين. 

وحسبما ورد في الإحصاءات الرسمية وبيانات البنك المركزي العراقي، حاولت السلطات النقدية طوال أشهر امتصاص الصدمة وتفادي خفض قيمة العملة من خلال الضخ المباشر عبر نافذة بيع العملة، ما أسفر عن نزيف حاد التهم نحو 20 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية المودعة لديه.

نزيف الاحتياطيات الأجنبية 

مع اقتراب الاحتياطيات الأجنبية من مستويات حرجة، أكد المستشار المالي للحكومة العراقية في تصريحات رسمية معلنة أن الاستمرار في تثبيت السعر عند 1320 ديناراً بات يمثل تهديداً مباشراً للملاءة النقدية للبلاد، خاصة مع تزامن هذا التراجع مع تشديد دولي على قنوات مكافحة غسل الأموال ومنع تسرّب العملة الصعبة، مما قيّد مرونة المناورة الرسمية في السوق الموازية.

وفي علم الاقتصاد، يُعد خفض قيمة العملة بمثابة ضريبة مقنعة تُفرض على أصحاب الدخول الثابتة. 

ويواجه المجتمع العراقي اليوم، والذي يبلغ تعداده أكثر من 46 مليون نسمة، تداعيات قاسية ومباشرة لهذا القرار، ويتصدر ذلك تآكل القيمة الشرائية للرواتب، حيث يمثل موظفو القطاع العام والمتقاعدون وشبكة الحماية الاجتماعية نحو 20% من السكان.

ومع بقاء الرواتب الاسمية ثابتة بالدينار، فإن خفض قيمتها 15% أمام الدولار يعني تلقائياً خسارة الموظف لقرابة خُمس قدرته الشرائية الفعلية، في بلد يستورد جلّ مواده الاستهلاكية والغذائية والطبية بالعملة الصعبة.

اشتعال الأسعار 

أدى القرار إلى اشتعال الأسعار والتضخم المستورد، ولم ينتظر التجار استقرار الأسواق بل دفعوا بالأسعار إلى مستويات غير مسبوقة بسبب زيادة مخاطر التعامل المؤجل وارتفاع كلفة الشحن ورأس المال المطلوب لتمويل الشحنات الاستيرادية.

ويضرب هذا التضخم الفئات الهشة والفقيرة بشكل مباشر، وسط ركود تجاري شلّ المراكز الاقتصادية الرئيسية في بغداد والبصرة وأربيل.

وبدلاً من أن يسهم القرار في كبح السوق السوداء عبر تقريب السعرين، أدى الذعر الاقتصادي إلى قفز الدولار الموازي إلى نحو 1800 دينار، ما أبقى الفجوة واسعة وترك المواطن العادي فريسة لأسعار صيرفة غير منضبطة.

الخيارات المرة 

في ظل هكذا أوضاع ، فإن  الحكومة العراقية تواجه نقداً لاذعاً من أوساط برلمانية واقتصادية ترى في التعديل أسهل الحلول وأقساها على الشعب.

ومع ذلك، فإن الخيارات البديلة كانت محفوفة بمخاطر لا تقل خطورة، أولها خيار الاستمرار في التثبيت عند 1320 ديناراً عبر مواصلة دعم السعر الرسمي من الاحتياطيات، وهو خيار كان سيؤدي إلى الاستنزاف الكامل للاحتياطيات الأجنبية خلال أشهر قليلة وانهيار شامل للثقة في الدينار. 

أما الخيار الثاني تمثل في التوسع المفرط في الاقتراض الداخلي والخارجي عبر إصدار سندات الخزينة أو طلب قروض دولية طارئة، ما كان سيعمق أزمة الدين العام ويصطدم بشروط صارمة من المؤسسات الدولية مع عجز المصارف المحلية عن الاستمرار في التمويل. 

والبديل الثالث هو التمويل التضخمي عبر طباعة فئات نقدية جديدة دون غطاء لتمويل الرواتب، ما يعني الدخول في سيناريو التضخم المفرط وانهيار العملة بشكل لا يمكن السيطرة عليه. 

أما الإصلاح الهيكلي وضبط المنافذ وتعظيم الإيرادات غير النفطية ومحاربة الفساد، فهو خيار جيد طويل الأجل لكنه غير فعال كلحظة طوارئ ماليّة فورية لتأمين الرواتب الجارية شهرياً. 

وبذلك وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام خيارات كلها مرّة، فاختارت أهونها مالياً لتقليص عجز الموازنة وتأمين الرواتب بالرغم من الكلفة السياسية والاجتماعية الباهظة.

تشخيص العلة الأساسية 

تراقب المؤسسات المالية الدولية الوضع العراقي بعيون قلقة، وتجمع تقاريرها الأخيرة على تشخيص العلّة الأساسية للاقتصاد. 

ويشير صندوق النقد الدولي في مراجعاته لعام 2026 إلى أن الاقتصاد العراقي من المتوقع أن يشهد انكماشاً واضحاً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي مدفوعاً بحدود الإنتاج النفطي وأزمة مضيق هرمز.

ورغم إشارته إلى امتلاك العراق احتياطيات أجنبية تُقدّر بقرابة 79.2 مليار دولار خلال العام بعد النزيف، إلا أنه يحذر دائماً من أن الاعتماد المفرط على النفط في تمويل 31% من الناتج الإجمالي ونحو 90% من الموازنة يترك الاستقرار النقدي في البلاد تحت رحمة الصدمات الجيوسياسية الخارجية.

كما يرى الصندوق أن تعديل سعر الصرف أداة ضرورية لتصحيح الاختلال المالي، بشرط أن يرافقه ضبط للإنفاق العام.

نسبة البطالة 

يؤكد البنك الدولي أن الفجوة الهيكلية في سوق العمل، والتي تتميز بمعدلات بطالة 13.5% وضغوط هائلة لتوظيف القطاع العام، تشكل عبئاً مالياً مزمناً. 

ويرى البنك أنه على الرغم من وجود مؤشرات مرونة بعيدة المدى ومشاريع بنية تحتية جارية، فإن السيولة النفطية لم تعد كافية لحماية الاقتصاد ما لم يتم تسريع مسار تنويع مصادر الدخل وزيادة الإيرادات غير النفطية عبر المنافذ والجمارك والجباية الفعلية.

ويؤكد البنك الدولي أن المنظور المستقبلي للاقتصاد العراقي وقيمة عملته الوطنية يرتكز على مسارين متوازيين، حيث سيبقى الدينار العراقي على المدى القصير والمتوسط تحت ضغط التذبذب والمضاربة الإقليمية. 

وطالما ظلت خطوط الشحن عبر هرمز مضطربة وصادرات النفط دون مستوياتها الطبيعية، سيبقى المعروض من الدولار شحيحاً في السوق الحرة، ما يعني بقاء أسعار السوق الموازية مرتفعة، واضطرار الحكومة للاستمرار في ترشيد النفقات التشغيلية والاستثمارية.

أما على المدى الطويل والإصلاح الهيكلي، يمثّل هذا التعديل النقطة الصفرية لإعادة التوازن. وتواجه الحكومة الآن اختباراً حقيقياً في إعداد موازنة 2027، والتي تقترح فيها افتراض سعر نفط تحوطي منخفض عند 58 دولاراً للبرميل بإنفاق ضخم يبلغ 217 تريليون دينار وعجز متوقع يتجاوز 40 تريليون دينار.

طوق النجاة 

في ضوء المعطيات السابقة، فإن نجاح  الحكومة العراقية في خفض الاعتماد على النفط من 90% إلى 45% خلال العقد المقبل هو طوق النجاة الوحيد للبلاد، فبدون تنشيط القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، وضبط النفقات المتضخمة للقطاع العام، فإن أي تعديل نقدي لسعر الصرف لن يكون سوى مسكّن مؤقت ستتلوه صدمات أعنف.