بعد ثلاث سنوات على اندلاعها، محت الحرب في قطاع غزة نتائج عقود من التنمية الاقتصادية، بعد أن تسببت بخسائر مباشرة تتراوح التقديرات بشأنها ما بين 71 و80 مليار دولار.
وبعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يزداد الأفق ضبابية بشأن إمكانية بدء مسار تعافٍ اقتصادي، في ظل فجوة تمويلية هائلة لخطط ومشاريع مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعدم ثقة المانحين في وجود مسار مستدام لاستعادة الهدوء وتثبيت وقف إطلاق النار، بما يسمح بضخ أموال لهذه المشاريع.
تقرير: صندوق ترامب لإعمار غزة "بدون أموال" - موقع 24كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن الصندوق المالي التابع لـ"مجلس السلام"، الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة إعادة إعمار غزة، لا يزال فارغاً بعد 4 أشهر على تأسيسه، رغم تعهدات تمويل تجاوزت 17 مليار دولار، ومشاريع وُصفت بأنها من الأكبر في تاريخ القطاع.
ماذا تقول الأرقام؟
تشير إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة بأن خسائر 15 قطاعاً حيوياً وصلت إلى أكثر من 80 مليار دولار، 34 منها مرتبطة بخسائر قطاع الإسكان، بعد تدمير 82% من منشآت القطاع.
وصلت خسائر قطاعات الصناعة والتجارة والبنى التحتية والاتصالات إلى أكثر من 16 مليارات دولار، من بينها.. 4 مليارات لكل من قطاع الصناعة، والقطاع الزراعي، في حين بلغت خسائر القطاع التجاري نحو 5 مليارات دولار، و3 مليارات لقطاع الاتصالات والإنترنت.
وتظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بالتكامل مع مسوحات البنك الدولي، انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لغزة بنسبة 83%، في الوقت الذي تراجع فيه نصيب الفرد السنوي من الناتج المحلي الإجمالي 82% ليصل إلى 212 دولاراً فقط.
كما تظهر الأرقام، شلل قطاع الأعمال، إذ تسببت الحرب في تدمير وتضرر أكثر من 92% من المنشآت الاقتصادية والإنتاجية في غزة، ما قفز بمعدلات البطالة عند قرابة 80%.
"الخط الأصفر" وقيود المعابر
تسيطر إسرائيل بموجب خط انتشار قواتها داخل حدود قطاع غزة المعروف بـ"الخط الأصفر" على 65 إلى 70% من مساحة القطاع، وهي المنطقة التي كانت مواقع لإقامة غالبية المنشآت الاقتصادية والزراعية.
تقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في أحدث تقاريرها بشأن غزة في أغسطس الماضي، إن "نسبة الأراضي الزراعية في قطاع غزة التي لا تزال غير متضررة ويمكن الوصول إليها تبلغ 3% فقط، وفقاً لتقييم جغرافي مكاني جديد".
وتقع المنطقة الصناعية التي تضم المصانع الرئيسية في قطاع غزة ضمن نطاق هذه المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل، ما حرم الفلسطينيين من مجالات عمل متنوعة كانت تشغل نحو 30 ألف عامل.
كما تشير تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أنه في حال استمرار القيود الحالية على المعابر، والحصار المفروض على دخول المواد والمعدات الأساسية، فإن عملية استعادة الأوضاع الاقتصادية والسكنية السابقة قد تستغرق ما بين 40 إلى 80 عاماً كحد أدنى.
منسّق "مجلس السلام": إعادة إعمار غزة تحتاج جيلاً كاملاً - موقع 24أكد منسق "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف خلال لقاء مع الصحافة الأجنبية في القدس الأربعاء، أن وقف إطلاق النار في قطاع غزة قائم لكنه "أبعد من أن يكون مثالياً".
عقود من التطوير انتهت
يقول مدير عام غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة ماهر الطباع، إن الحرب قضت على جهود عقود من التطوير، واستثمارات بالمليارات كانت تُضخ في قطاع غزة، لإنشاء بنية اقتصادية وإنتاجية في القطاع.
ويضيف لـ24: "منطقة غزة الصناعية كانت تعتبر من افضل المناطق الصناعية على مستوى فلسطين، وكانت تحظى بثقة شركات إسرائيلية وأوروبية قبل اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، إذ كانت تصدر منتجاتها إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا".
ويتابع الطباع: "حتى خلال سنوات قليلة ما قبل الحرب شهدت المنطقة تطورات لافتة، وتم ضخ استثمارات كبيرة في هذه المنطقة وفرت فرص عمل لآلاف الفلسطينيين، لكن المنطقة تدمرت بشكل كامل خلال الحرب".
ويقول: "الآن 70% من مساحة قطاع غزة ضمن نطاق الخط الأصفر، وهي المنطقة التي تضم غالبية مصانع القطاع، إضافة لفقدان السلة الغذائية التي تساعد قطاع غزة في إنتاج أكثر من 75% من الإنتاج الزراعي الذي يتم تسويقه في السوق المحلي، ويتم تصدير أجزاء منه للخارج".
عقبات التعافي
يشير الطباع إلى أن نسبة البطالة في قطاع غزة تتجاوز 80% بعد أن كانت أقل من 45% قبل الحرب، كما أن نسبة الفقر وصلت إلى 95%، في ظل ارتفاع معدلات تضخم تصل إلى 500% لأسعار السلع الأساسية".
ويؤكد أن إسرائيل تسمح حاليًا بدخول 200 صنف من المواد الغذائية من أصل نحو 10 آلاف كانت تسمح بدخولها قبل الحرب، ما يجعل من وجهة نظره أي جهود للتعافي الاقتصادي محكومة بالفشل في الظروف الراهنة.
بعد "تنحّي" حماس.. خطة تعافي غزة تصطدم بشح التمويل وضبابية المرحلة الانتقالية - موقع 24إعلان حركة حماس حل سلطتها المهيمنة على غزة منذ عقدين، يفتح الباب أخيراً أمام إطلاق عملية إعادة إعمار مؤجلة بعد تسعة أشهر على انتهاء حرب مدمرة دامت 1000 يوم. على أن خطة التعافي الاقتصادي المرسومة لغزة تواجه تحديات كبيرة، وفق محللين، مع قرب دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة المنبثقة عن "مجلس ...
ويقول إن "العاملين في القطاعين الصناعي والتجاري يواجهون تكلفة تشغيلية مرتفعة وغير متناسبة مع العائدات المتوقعة لأعمالهم، إذ يبلغ سعر كيلو الكهرباء الواحد 35 شيكلاً (12 دولاراً) بعد أن كانت قيمته قبل الحرب 0.5 شيكل".
ويشير إلى أن لتر السولار اللازم لتشغيل المولدات ارتفع من 6 شيكل قبل الحرب إلى ما يزيد عن 30 في الوقت الحالي، وارتفع كذلك سعر لتر زيوت السيارات والمولدات الكهربائية من 5 دولار للتر الواحد قبل الحرب إلى ألف دولار حاليًا".
ويلفت إلى أن مؤشرات التضخم في قطاع غزة غير محكومة بمعايير واضحة بسبب سلوك السوق السوداء، وإن إجراءات الحقن المالي التي تتخذها المؤسسات الإغاثية والإنسانية العاملة في القطاع تساعد في مهمة البقاء، لكنها لا تفتح المجال أمام تعافٍ للقدرة الشرائية للعائلات.
ويقول الطباع: "القضية الأصعب هي ثقة المانحين في استدامة الهدوء في قطاع غزة حتى يتم ضخ مساهماتهم في جهود إعادة إعمار وإنعاش قطاعات الإنتاج في غزة"، مشيرًا إلى أن هذه القضية تمثل تحديًا سياسيًا وأمنيًا ينعكس بشكل مباشر على فرص تسريع وتيرة التعافي لكنها غائبة حتى الآن.