كشف محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأمريكي"، الذي أُعلن عنه الأربعاء، ملامح مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً في مسار السياسة النقدية الأمريكية.
وجاءت المداولات لتعكس حالة من الترقب والحذر الشديد بين صناع السياسة، في وقت تتشابك فيه المخاطر الجيوسياسية مع التهديدات الحمائية التجارية، والتحركات الاستثنائية في أسواق العملات الأجنبية.
مزيد من التشدد
وأظهر المحضر إجماعاً واضحاً على الخطوات الحالية، لكنه فتح الباب أمام جولة جديدة من التشديد النقدي قبل نهاية العام الحالي، مدفوعة بمخاوف متزايدة من عودة الضغوط التضخمية إلى الارتفاع مجدداً، ما قد يجبر البنك على الاحتفاظ بمعدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول من توقعات الأسواق المالية.
وتشير المداولات التي تضمنها المحضر إلى أن معركة البنك المركزي ضد التضخم لم تنتهِ بعد، بل تواجه عوامل مستجدة على المشهد الاقتصادي قد تبقي الأسعار مرتفعة لفترة أطول، ما يضع الأسواق العالمية في حالة ترقب لمسار الأصول المالية.
بنك الاحتياطي الفيدرالي
وتمثل إشارة المحضر إلى تدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في سوق الصرف الأجنبي، نيابة عن وزارة الخزانة الأمريكية، تطوراً نوعياً يعكس وجود اختلالات حادة في مستويات السيولة الدولية، أو تحركات مفرطة في مستويات الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى.
وتاريخياً، لا تلجأ السلطات المالية إلى هذا الخيار إلا لكبح جماح التقلبات العنيفة التي تهدد استقرار النظام المالي أو تضر بتنافسية الصادرات، ما يعني أن البنك بات مستعداً لاستخدام أدواته المباشرة لضبط إيقاع العملة عالمياً.
استقرار التضخم
ولا يزال "الفيدرالي" يرى أن التضخم مستقر عند مستويات مرتفعة، فيما تميل مخاطره إلى الصعود، مدفوعاً بسوق عمل قوية ترفض التباطؤ وتقترب من مستويات التوظيف الكامل.
وتمنع القوة الهيكلية للوظائف واستقرار الأجور تراجع القوة الشرائية بالسرعة المطلوبة، وهو ما يحرم البنك من جني ثمار التقييد النقدي السريع، ويجعل خفض الأسعار مهمة معقدة من دون حدوث تهدئة ملموسة في قطاع التشغيل.
التطور التكنولوجي
ولأول مرة، يربط"الفيدرالي" بين التطور التكنولوجي ومخاطر صعود الأسعار، إذ أشار الأعضاء إلى أن التوسع الضخم في قطاع الذكاء الاصطناعي يمثل صدمة طلب تزيد من تدفقات السيولة الرأسمالية.
كما يزيد هذا التوسع اللوجستي الطلب على الطاقة، ومراكز البيانات، والكوادر البشرية عالية الأجر، ما قد يؤدي إلى تأجيج التضخم الهيكلي، ويجعل السياسة النقدية الحالية أقل تأثيراً مما كان مقدراً لها سابقاً.
الرسوم الحمائية
وجاءت التوقعات الاقتصادية لأعضاء المجلس أقوى بشكل ملحوظ مقارنة باجتماع يوليو (تموز) الماضي، ما يعكس مرونة الاقتصاد الاستثنائية أمام الفوائد المرتفعة، بالتوازي مع تحذيرات مسؤولي البنك من أن احتمال فرض رسوم جمركية حمائية إضافية سيخلق صدمة عرض ترفع التكلفة على المستهلكين.
وهذه العوامل المشتركة أقنعت غالبية المشاركين بأن السياسة الحالية قد لا تكون صارمة بما يكفي، ما جعلهم يرجحون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة 25 نقطة أساس إضافية مرة واحدة قبل نهاية العام الحالي.
3 مسارات
وبناءً على التقاطع بين قوة الاقتصاد والمخاطر المستجدة، يقف "الفيدرالي" أمام 3 مسارات محتملة، أولها؛ مسار التشديد المستهدف الذي ينطلق من استمرار البيانات الحالية من دون مفاجآت صادمة، إذ ينفذ البنك رؤية الأغلبية بالرفع الإضافي الوشيك للسيطرة على فائض نمو الاقتصاد، يعقبه الإبقاء على الفائدة عند مستويات تقييدية لفترة طويلة لضمان الهبوط الآمن نحو مستهدف 2%.
أما المسار الثاني؛ يتمثل في صدمة التضخم المركب، ويتحقق إذا تقاطعت ضغوط الرسوم الجمركية مع الاستثمارات المليارية المستمرة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع المفاجئ بسبب نقص المعروض وزيادة الطلب معاً.
وفي هذه الحالة، سيضطر "الفيدرالي" إلى التخلي عن حذره والاندفاع نحو جولات رفع متتالية تخنق الأسواق التقليدية، وتدفع بالاقتصاد نحو الركود التضخمي.
وينحصر المسار الثالث في التحييد النقدي، الذي يفترض نجاح تدخلات فيدرالي نيويورك في كبح تقلبات العملة، بالتوازي مع وصول سوق العمل إلى نقطة التشبع وبدء تراجعها الذاتي، ما يسمح للبنك بالتوقف عند المستويات الحالية ومراقبة مفعول التقييد السابق على المدى المتوسط، مع وجود مخاطرة ببقاء التضخم عنيداً فوق مستويات 3%.
تأهب الأسواق
وتتأهب الأسواق الآن لإعادة تسعير الأصول بناءً على النبرة الصقورية للمحضر، إذ يستمد الدولار الأمريكي دعماً قوياً من التوقعات الاقتصادية المتفائلة واحتمال الرفع الوشيك، خصوصاً أن بقاء عوائد السندات الأمريكية عند مستويات مرتفعة يجذب رؤوس الأموال الأجنبية ويعزز قوة العملة.
وفي المقابل، يقع الذهب تحت ضغوط مزدوجة، إذ يزيد ارتفاع عوائد السندات من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصول لا تدر عائداً، إلا أن المخاطر التصاعدية للتضخم والاضطرابات التجارية المرتبطة بالرسوم تحافظ على جاذبيته كملاذ آمن طويل الأجل.
أسواق الأسهم
وتواجه أسواق الأسهم، ولا سيما شركات التكنولوجيا والنمو، ضغوطاً ناتجة عن كلفة التمويل المرتفعة، ورغم أن زخم الذكاء الاصطناعي يدعم تقييمات القطاع، فإن إدراج "الفيدرالي" لهذا التوسع كعامل قلق تضخمي قد يدفع المستثمرين إلى تسييل الأرباح تحسباً لأي تشديد غير متوقع.
وفي ضوء المعطيات السابقة، يكشف محضر الاحتياطي الفيدرالي أن صناع السياسة النقدية الأمريكية يواجهون منعطفاً غير تقليدي، إذ تحول التركيز من إدارة الدورة الاقتصادية المحلية المعتادة إلى مواجهة متغيرات بنيوية تكنولوجية وجيوسياسية تتجاوز أدوات الفائدة التقليدية.
والرسالة الضمنية الموجهة إلى الأسواق هي رسالة عدم يقين منظم، فالبنك يراقب نمواً أقوى من المتوقع، لكنه يبقي أدواته جاهزة بالكامل لمنع أي انتكاسة سعرية، ما يجعل البيانات الاقتصادية المقبلة للتوظيف والتضخم الحكم النهائي في تحديد الاتجاه.