يُحرق العراق يومياً في حقوله النفطية كمية من الغاز تكاد تعادل ما تعاقد على استيراده من إيران. وهذه المفارقة هي جوهر الرهان الذي أعلنته وزارة النفط العراقية الجمعة، حين أكدت أن البلاد ستصل إلى "صفر حرق" للغاز المصاحب بنهاية 2027.

وقال وكيل وزير النفط لشؤون الغاز عزت صابر لوكالة الأنباء العراقية (واع)، إن خطط الوزارة تقوم على "الاستثمار الكامل والصحيح للغاز المصاحب"، مضيفاً أن نهاية العام الجاري ستشهد استثمار نحو 80 مليون قدم مكعب قياسي يومياً من حقول كركوك، لتوفير احتياجات المواطنين ومحطات توليد الكهرباء.

غاز يحترق هنا.. ويُستورد من هناك

عندما يُستخرج النفط، يخرج معه غاز طبيعي يُعرف بـ"الغاز المصاحب". وفي غياب البنية التحتية لجَمعه ومعالجته، تحرقه الحقول في شعلات أصبحت جزءاً من مشهد الجنوب العراقي.

وتكشف الأرقام حجم المفارقة. فبحسب "معهد واشنطن" لسياسة الشرق الأدنى، كان العراق يحرق في 2023 نحو 1,200 مليون قدم مكعب قياسي من الغاز يومياً، بينما يستورد 1,000 مليون قدم مكعب يومياً من إيران.

وتؤكد بيانات أخرى الصورة ذاتها. فوفقاً لـ"منتدى الشرق الأوسط" الأمريكي، أحرق العراق نحو 18 مليار متر مكعب من الغاز في 2023 بحسب البنك الدولي، أي ما يعادل قرابة 49 مليون متر مكعب يومياً. وهي كمية مماثلة تقريباً لما تعاقدت إيران على توريده للعراق، والبالغ 50 مليون متر مكعب يومياً.

إيران مورد لا يمكن الاعتماد عليه

عام 2026 كشف هشاشة الاعتماد على طهران. فبحسب وكالة "رويترز"، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية في ديسمبر (كانون الأول) 2025 توقف إمدادات الغاز الإيراني بالكامل، ما أفقد الشبكة ما بين 4 آلاف و4,500 ميغاواط. وتوفر إيران ما بين ثلث و40% من احتياجات العراق من الغاز والكهرباء.

ولم تكد الإمدادات تعود حتى توقفت مجدداً، حيث أعلنت وزارة الكهرباء العراقية في 18 مارس (آذار) توقف شحنات الغاز الإيراني كلياً، ما أفقد الشبكة أكثر من 3 آلاف ميغاواط، وسط التوترات الإقليمية التي أعقبت اندلاع الصراع في 28 فبراير (شباط).

ومنذ ذلك الحين، بقيت الإمدادات بعيدة عن حاجة العراق. فبحسب "منتدى الشرق الأوسط"، تراوحت الإمدادات الإيرانية منذ مطلع مايو (أيار) بين 15 و20 مليون متر مكعب يومياً، أي أقل من نصف الكمية المتعاقد عليها. ويأتي ذلك فيما بلغ إنتاج العراق من الكهرباء مطلع العام نحو 29 غيغاواط، مقابل طلب يقارب 40 غيغاواط.

كما تحولت المدفوعات إلى عقدة سياسية. فوفقاً لـ"رويترز"، ألغت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارس (آذار) 2025 الإعفاء الذي كان يسمح للعراق بالدفع لإيران مقابل الكهرباء، ضمن حملة "الضغوط القصوى".

من النفط إلى بيتكوين.. 5 تصريحات لترامب هزت "الأسواق" - موقع 24تحولت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال 2026 إلى عامل بارز في عدد من موجات التقلب التي شهدتها الأسواق العالمية، إذ امتد أثرها من النفط والأسهم إلى الدولار والسندات والتجارة، فيما أثارت سياساته ومصالح عائلته في قطاع العملات الرقمية جدلاً متزايداً بشأن التنظيم وتضارب المصالح.

الغاز المحلي أرخص بأربعة أضعاف

لا يقتصر المكسب على أمن الإمدادات. فبحسب مؤسسة "إنرداتا" الفرنسية لأبحاث الطاقة، تُقدر كلفة الغاز المنتج في مشروع حقل أرطاوي بنحو 1.5 إلى 2 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بنحو 8 دولارات للغاز الإيراني المستورد.

أي أن العراق يُحرق غازاً منخفض الكلفة، ثم يدفع ثمناً مضاعفاً لاستيراد بديل عنه.

من ينفذ المهمة؟

يعتمد العراق على شبكة من الشركات العالمية لإطفاء الشعلات:

"توتال إنرجيز" الفرنسية: تقود، بالشراكة مع شركة نفط البصرة و"قطر للطاقة"، "مشروع نمو الغاز المتكامل"، الأضخم في القطاع. ووفقاً لـ"معهد واشنطن"، يتضمن المشروع مركز أرطاوي للغاز، الذي يُتوقع أن يعالج 600 مليون قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز المصاحب لعدة حقول في الجنوب.

"بي بي" البريطانية: تقف خلف حقول كركوك التي تحدث عنها عزت صابر. فبحسب موقع "أوفشور تكنولوجي" البريطاني، يشمل برنامج إعادة التطوير قبتي بابا وآفانا في كركوك وحقول باي حسن وجمبور وخباز التي تديرها شركة نفط الشمال. ووفقاً لنشرة "ميس" المتخصصة، تتضمن الخطة رفع كميات الغاز المجمع إلى 400 مليون قدم مكعب يومياً، وبناء محطة كهرباء بقدرة 400 ميغاواط.

"بيكر هيوز" الأمريكية: تعمل مع شركة غاز الجنوب الحكومية على مشروع لاسترجاع الغاز بطاقة 2.1 مليار متر مكعب سنوياً في جنوب العراق، بحسب "إنرداتا".

ما الأثر الاقتصادي على البلد؟

1- كهرباء أكثر استقراراً: يذهب الغاز المسترجع مباشرة إلى محطات التوليد، ما يقلص فجوة تتجاوز 10 غيغاواط بين الإنتاج والطلب.

2- تحرير الموازنة: كل متر مكعب يُجمع محلياً يقلص الحاجة إلى غاز مستورد بأربعة أضعاف كلفته، ويخفف عبء مدفوعات معقدة سياسياً.

3- منتجات للسوق المحلية: وفقاً لـ"إنرداتا"، سينتج مشروع أرطاوي وحده 12 ألف برميل يومياً من المكثفات للاستهلاك المحلي.

4- قرار سيادي: لعل المكسب الأهم أن العراق لن يعود رهينة لقرار يُتخذ في طهران، أو لعقوبات تُفرض في واشنطن.

العراق يضيف 80 مليون قدم مكعب من الغاز المصاحب بنهاية 2026 - موقع 24أفادت وكالة الأنباء العراقية (واع)، اليوم الخميس، بأن وزارة النفط العراقية أعلنت عن خطة استراتيجية لإضافة 80 مليون قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز المصاحب إلى معدلات الاستثمار الحالية بحلول نهاية هذا العام، عبر تطوير العمليات في حقول باي حسن وجمبور الشمالي وخباز.

بين الطموح والواقع

يحقق العراق تقدماً ملموساً. فبحسب موقع "أويل برايس" الأمريكي، أعلن مكتب رئيس الوزراء أواخر 2024 أن نسبة خفض الحرق بلغت 67%، مع هدف الوصول إلى 80%، ثم الإنهاء الكامل بنهاية 2027.

لكن الطريق ليس خالياً من العقبات. فبحسب "معهد واشنطن"، لا يزال غير واضح كيف سيوازن العراق بين هدف صفر حرق وطموحه لرفع إنتاج النفط إلى أكثر من 6 ملايين برميل يومياً، لأن كل برميل إضافي يعني غازاً مصاحباً إضافياً يحتاج إلى بنية تحتية لجمعه.

يملك صاحب خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم تحت أقدامه الحل لأزمة صنعها الاعتماد على الخارج. فالغاز الذي يتحول إلى دخان في شعلات البصرة وكركوك يكفي تقريباً لتعويض ما تعاقدت إيران على توريده. وإذا نجحت بغداد في إطفاء آخر شعلة، سواء في 2027 أو بعدها بقليل، فلن ينهي عصر الحرق فحسب، بل سيطوي معه صفحة عقدين من الاعتماد على الغاز الإيراني "المتقلب".