تخطط الحكومة الفرنسية لتوفير 43 مليار يورو من موازنة 2027 عبر خفض النفقات وزيادة الإيرادات، لكن يبدو أن فاتورة فوائد الدين تسير عكس الاتجاه، خصوصاً بعدما أظهرت التقديرات الرسمية ارتفاعها بنحو 12 مليار يورو خلال عام واحد، لتصل إلى 91.2 مليار يورو، في وقت تسعى فيه باريس إلى تقليص عجز الموازنة واحتواء الدين العام.

فرنسا تستهدف توفير 43 مليار يورو من الموازنة.. وفوائد الدين تقفز إلى 91 ملياراً وسط ضغوط خفض العجز
خبير اقتصادي لـ"24": ارتفاع فوائد الدين يضعف مكاسب التقشف الفرنسي.. والاستقرار السياسي يحسم نجاح خطة خفض العجز

وبحسب وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية، تستهدف الحكومة خفض العجز من 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 5% العام المقبل، من خلال إجراءات تصحيح مالي تبلغ قيمتها الإجمالية 54 مليار يورو، تشمل 43 ملياراً من التدابير الجديدة و11 ملياراً من إجراءات سبق إقرارها.

الفوائد تلتهم مكاسب التقشف

يقول الدكتور محمد الألفي، خبير الاقتصاد السياسي من باريس، لـ"24"، إن الزيادة المتوقعة في فوائد الدين ستضعف بصورة كبيرة أثر إجراءات التقشف الفرنسية، رغم أنها لن تلغي قدرتها على تحسين أوضاع المالية العامة.

وأوضح أن ارتفاع مدفوعات الفوائد بنحو 12 مليار يورو يعادل قرابة 28% من قيمة الإجراءات الجديدة، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض يقلص المساحة المالية المتاحة للحكومة ويزيد صعوبة خفض العجز.

وكشف المجلس الأعلى للمالية العامة الفرنسي، في تقييمه لمشروع الموازنة، أن جهد ضبط الإنفاق الأولي يبلغ نحو 23 مليار يورو، لكنه يتراجع إلى 11 ملياراً بعد احتساب الزيادة في فوائد الدين، وفق منهجيته المحاسبية.

ويقدر المجلس إجمالي جهد التصحيح الهيكلي بنحو 28 مليار يورو، منها 17 ملياراً من جانب الإيرادات و11 ملياراً من الإنفاق، محذراً من أن ارتفاع الفوائد يستوعب جزءاً مهماً من جهود خفض النفقات.

المعاشات والصحة تحت ضغط التخفيضات

وتشمل الإجراءات الحكومية، وفق وكالة "رويترز"، توفير 4.1 مليار يورو من خلال زيادة معظم معاشات التقاعد بأقل من معدل التضخم، مع الحفاظ على الزيادة الكاملة للمعاشات التي لا تتجاوز 1260 يورو شهرياً.

كما تستهدف الحكومة توفير نحو 4 مليارات يورو من إجراءات ضبط الإنفاق الصحي، بينها خفض أسعار الأدوية، ومليار يورو من تعديل تعويضات الإجازات المرضية.

وعلى جانب الإيرادات، تتوقع باريس تحصيل 3.8 مليار يورو من تقليص إعفاءات اشتراكات أصحاب العمل المرتبطة بالمكافآت، إلى جانب 2.9 مليار يورو من تجميد بعض الإعفاءات الخاصة بالأجور المنخفضة.

لكن خطة التوفير تعرضت لأول انتكاسة برلمانية، بعدما رفضت لجنة المالية بالجمعية الوطنية، في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، مقترحاً لخفض سقف الإعفاء الضريبي للمتقاعدين من 4439 إلى 3000 يورو، كان يُنتظر أن يوفر 1.4 مليار يورو، وفق "رويترز".

ولم يحسم قرار اللجنة مصير الإجراء نهائياً، إذ لا يزال من الممكن إعادة طرحه خلال المناقشات التشريعية.

340 مليار يورو من السندات

وفي سوق الدين، سجلت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات مستويات قاربت 5% خلال الأسبوع، قبل تراجع العائد المرجعي إلى 4.79% يوم الجمعة 9 أكتوبر، وفق بيانات وكالة الخزانة الفرنسية.

وكان وزراء مالية منطقة اليورو والبنك المركزي الأوروبي قد دعوا فرنسا، الخميس، إلى إقرار موازنتها لعام 2027 لتهدئة الأسواق، بعدما ارتفعت عوائد سنداتها بنحو 80 نقطة أساس منذ بداية سبتمبر (أيلول)، بحسب "رويترز".

وتخطط وكالة الخزانة الفرنسية لإصدار سندات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة صافية تبلغ 340 مليار يورو في 2027، مقابل 310 مليارات هذا العام، لتمويل احتياجات الدولة وإعادة تمويل ديون قائمة.

ويحذر الألفي من احتمال تجاوز مدفوعات الفوائد تقديرات الحكومة الحالية إذا استمرت عوائد السندات عند مستويات مرتفعة، خصوصاً مع تجديد ديون سابقة بتكاليف اقتراض أعلى.

الدين يواصل الارتفاع

وعلى الرغم من إجراءات خفض العجز، تتوقع الخزانة الفرنسية ارتفاع الدين العام من 119.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 121.7% في 2027.

وتستند الموازنة إلى توقع حكومي بنمو الاقتصاد بنسبة 1% العام المقبل، مقابل 0.8% في تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرة في يونيو (حزيران).

ويرى الألفي أن تحقيق هدف العجز البالغ 5% لا يزال ممكناً من الناحية الحسابية، لكنه يتوقف على إقرار إجراءات الموازنة وتحقيق النمو المتوقع.

وأضاف أن ضعف الأغلبية البرلمانية واقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027 يزيدان صعوبة تمرير الإجراءات المتعلقة بالمعاشات والصحة والإعفاءات الضريبية، فيما قد يؤدي تباطؤ النمو إلى إضعاف الإيرادات الضريبية.

واعتبر الألفي أن الاستقرار السياسي سيكون أحد العوامل الحاسمة في تنفيذ خطة خفض العجز، إلى جانب قدرة الحكومة على احتواء تكلفة الاقتراض المتزايدة.