تواجه أوكرانيا ضغوطاً متزايدة على قطاعها الزراعي رغم قوة المحاصيل هذا الموسم، إذ أدى تعطل طرق التصدير عبر البحر الأسود إلى تراكم ملايين الأطنان من الحبوب والمنتجات الزراعية في أوكرانيا وروسيا، ما يضغط على الأسعار المحلية والسيولة لدى المزارعين، ويهدد خطط الزراعة للموسم المقبل.
وبحسب تقرير لـ"CNBC"، كثفت روسيا خلال الصيف والخريف هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف في البحر الأسود، ما صعّب تأمين السفن التجارية وأثر في صادرات أوكرانيا، فيما ساهمت الضربات الأوكرانية المضادة في تعطيل جانب من صادرات الحبوب الروسية أيضاً.
وقال المزارع الأوكراني أولكسندر تشوماك، الذي يعمل في منطقة أوديسا منذ 11 عاماً، إن نحو 80% من حبوبه لا يمكن بيعها بربحية، مشيراً إلى نفاد السيولة لديه رغم تحقيق محصول جيد. وأوضح أن تراجع الأسعار المحلية وصعوبة التصدير جعلا تمويل الموسم المقبل أكثر تعقيداً.
من جانبه، قال أندري ديكون، رئيس المجلس الزراعي الأوكراني، إن المزارعين لا يزالون مطالبين بدفع الضرائب وإيجارات الأراضي وتكاليف التشغيل، في وقت يصعب فيه تصريف المحاصيل. وأضاف أن بذور اللفت وعباد الشمس من بين المحاصيل القليلة التي لا تزال قابلة للبيع، لكنها لا تكفي لتغطية الاحتياجات المالية للقطاع.
وفي ظل هذه الضغوط، بدأ بعض المنتجين تعديل خططهم الزراعية لعام 2027، عبر تقليص زراعة الذرة والشعير والتحول إلى محاصيل زيتية ومتخصصة أقل اعتماداً على تكاليف النقل والأسمدة. وقال تشوماك إنه يعتزم خفض المساحات المزروعة والتركيز على محاصيل أقل كلفة.
وفي مؤشر إلى شح السيولة، قال "بريفات بنك"، أكبر مصرف في أوكرانيا، إنه قدم 1.53 مليار هريفنيا، نحو 34.2 مليون دولار، من تمويل رأس المال العامل للشركات الزراعية بين يونيو وأغسطس، أي أكثر من ضعف 718 مليون هريفنيا قدمها في الفترة نفسها من العام الماضي. وتمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو 70% من محفظته الائتمانية الزراعية.
وأشار البنك إلى أن السيولة تظل عالقة في مخزونات الحبوب، بينما يحتاج المنتجون إلى تمويل النفقات التشغيلية ومواسم الزراعة الخريفية والربيعية. كما توقع أن يصل إنتاج أوكرانيا من الحبوب والبذور الزيتية إلى نحو 85 مليون طن، مقابل نحو 80 مليون طن في الموسم السابق، في وقت تزيد فيه المخزونات المرحلة من المواسم السابقة الضغط على مرافق التخزين وشبكات النقل.
البحر الأسود يضغط على الإمدادات
ويمر عادة نحو 90% من الصادرات الزراعية الرئيسية الأوكرانية عبر البحر الأسود، ما يجعل الموانئ البحرية عنصراً أساسياً في قدرة البلاد على تسويق محاصيلها خارجياً. وأظهرت بيانات أغسطس هبوط صادرات الحبوب والبقوليات إلى نحو 981 ألف طن بحسب CNBC، بانخفاض يقارب 58% على أساس سنوي. وتظهر بيانات أوكرانية أخرى رقماً قريباً عند نحو 988 ألف طن من الحبوب خلال الشهر، ما يؤكد حجم التراجع الحاد.
وتحاول أوكرانيا تعويض جانب من هذا النقص عبر السكك الحديدية والطرق وموانئ الدانوب، لكن هذه المسارات أعلى كلفة وأقل قدرة من موانئ البحر الأسود. وقالت وزارة الزراعة الأوكرانية إن البلاد صدرت بين 1 و26 أغسطس نحو 1.423 مليون طن من الحبوب والبذور الزيتية ومنتجاتها، أي قرابة ثلث طاقتها التصديرية المحتملة خلال تلك الفترة.
روسيا تعزز تصدير الحبوب عبر البلطيق.. الطاقة تقفز إلى 23.5 مليون طن - موقع 24أظهرت تقديرات أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة السكك الحديدية الروسية أن موانئ روسيا المطلة على بحر البلطيق رفعت طاقتها السنوية لتصدير الحبوب إلى 23.5 مليون طن في أكتوبر (تشرين الأول) من 8.6 مليون في يوليو (تموز).
ولا تقتصر التداعيات على أوكرانيا؛ إذ كانت روسيا وأوكرانيا، قبل الحرب، توفران معاً أكثر من نصف صادرات زيت دوار الشمس عالمياً، ونحو خُمس الشعير، ونحو 14% من القمح، وفق البيانات التي أوردها تقرير CNBC. وتوضح بيانات الأمم المتحدة أن البلدين شكلا قبل الحرب جزءاً مهماً من تجارة الحبوب والزيوت عالمياً، وإن كانت النسب تختلف قليلاً باختلاف السنة والمؤشر المستخدم.
وحذر بنوا فايود، المسؤول في شركة "إكسبانا" لتحليل أسواق الحبوب والبذور الزيتية، من أن إعادة فتح موانئ البحر الأسود قد تطلق كميات كبيرة من الإمدادات منخفضة التكلفة، بما قد يدفع أسعار الحبوب في مناطق أخرى إلى الانخفاض بعشرات الدولارات للطن. وفي المقابل، يواصل تعطل الصادرات دعم الأسعار خارج روسيا وأوكرانيا في الأجل القصير.
وتواجه الأسواق العالمية بذلك معادلة مزدوجة: تعطل الصادرات يهدد بتشديد الإمدادات ورفع الأسعار، بينما قد يؤدي استئناف واسع للشحنات لاحقاً إلى ضخ كميات كبيرة في السوق والضغط سريعاً على الأسعار.