في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، يتبنى البنك الدولي توجهاً لإغاثة 30 إلى 40 دولة معرضة لصدمات الطاقة وارتفاع الأسعار.
تشير البيانات إلى أن الدول النامية متوسطة التصنيف الائتماني الضعيف تتحمل عوائد سندات حكومية لأجل 10 سنوات تبلغ 9%، فيما يخصص البلد النامي المتوسط 9.5% من إيراداته الحكومية لسداد فوائد الديون، وهي أعلى نسبة خلال 25 عاماً.
وتواجه الدول النامية معادلة بالغة الصعوبة خلال 2026 تمثلت في التوفيق بين التخفيف من حدة الغلاء المعيشي على المواطنين، وسداد التزامات ديون خارجية تناهز 400 مليار دولار، وهو ما يقوض قدرة المالية العامة على الصمود ويضاعف من أعباء الموازنات.
وفي مقابلة مع "رويترز"، قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، إن المؤسسة تجري محادثات مع هذه الدول بشأن المساعدات المحتملة، مشيراً إلى إمكانية إتاحة تمويل يصل إلى 100 مليار دولار إذا تفاقمت الأزمة.
وتزامنت هذه التحركات مع صدور تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حذّر من أن 130 مليون شخص من الفئات الأكثر فقراً في العالم يواجهون خطر الوقوع مجدداً في الفقر، مع تزامن ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد تكاليف الاقتراض مع تداعيات مناخية تهدد الأمن الغذائي.
3 أزمات تحاصر الدول النامية
وقال مدير البرنامج ألكسندر دي كرو، قبيل الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، بين 12 و18 أكتوبر (تشرين الأول)، إن تزامن هذه الأزمات يضع الدول النامية أمام ضغوط مالية متزايدة، محذراً من أن استمرارها سيدفع عشرات الملايين، وربما مئات الملايين، إلى الفقر مجدداً.
ووفق تقرير البرنامج الذي حمل اسم "لا وقت للتعافي"، ساعدت التدابير الحكومية الاستثنائية التي اتُخذت منذ اندلاع الحرب الإيرانية في حماية 130 مليون شخص من التأثير الكامل لارتفاع الأسعار. لكن هذه الإجراءات استنزفت موارد الحكومات، ما يهدد قدرتها على مواصلة دعم الفئات الأكثر احتياجاً.

الغلاء يلتهم الموازنات الحكومية
وتتعقد إمكانية الاستمرار في تطبيق هذه الإجراءات أيضاً بالتزامن مع تخطي النفط مستوى 100 دولار للبرميل بسبب التوترات الإقليمية، الأمر الذي يرفع معدلات التضخم ويزيد صعوبة مواجهة موجة الغلاء على الحكومات.
وتشير البيانات إلى أن الدول النامية متوسطة التصنيف الائتماني الضعيف تتحمل عوائد سندات حكومية لأجل 10 سنوات تبلغ 9%، فيما يخصص البلد النامي المتوسط 9.5% من إيراداته الحكومية لسداد فوائد الديون، وهي أعلى نسبة خلال 25 عاماً، وتتجاوز ثلاثة أمثال النسبة المسجلة في الدول مرتفعة الدخل.
في الوقت ذاته، تتضاعف مخاطر الأزمة مع التهديدات المناخية لظاهرة "إل نينيو"، التي يُتوقع أن تتسبب في موجات جفاف وفيضانات تضرب إنتاج الغذاء، ما قد يدفع 49 مليون شخص إضافي إلى انعدام الأمن الغذائي بحلول نهاية 2027.

60 يوماً حاسمة
صحيفة "الغارديان" البريطانية نقلت عن كبير الاقتصاديين في البرنامج، جورج غراي مولينا، أن الدول متوسطة الدخل استنزفت سريعاً الاحتياطيات المالية التي خصصتها لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، مشيراً إلى أن تطورات أسعار النفط وأسواق السندات خلال الستين يوماً المقبلة ستكون مؤثرة في مسار الأزمة.
ويبدو أن الضغوط الاقتصادية انعكست بالفعل على الأوضاع الاجتماعية، حيث رصد البرنامج احتجاجات في 10 دول خلال سبتمبر (أيلول). كما أظهر مسح شمل 26 دولة أن 22 منها تصنّف الأزمة باعتبارها أولوية متوسطة أو مرتفعة، فيما تواجه 13 دولة أزمات اقتصادية أو مالية قائمة، وتوقعت الدول الـ26 جميعها تدهور الأوضاع خلال الفترة المقبلة.
وما يزيد المخاوف الاقتصادية هو أن المواطنين يدفعون ثمن أزمة الديون مرتين؛ الأولى في غلاء المعيشة، والثانية في ضعف الخدمات الحكومية. حيث كشفت أرقام منظمة "ديبت جاستس" أن ميزانيات التعليم في الدول الفقيرة المعرضة لأزمات ديون تراجعت بمتوسط 8% منذ 2019، مصحوبة بانخفاض 2% في الإنفاق العام للدولة.

لذلك طالب ألكسندر دي كرو الجهات المانحة والمؤسسات المالية الدولية بتوفير تمويلات ميسرة للدول النامية كي تتمكن من مساندة الفئات الأكثر فقراً.
لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن إجراءات تخفيف أعباء الديون تتطلب أشهراً من التفاوض، وهو ما لا يتناسب مع حجم الاحتياجات العاجلة لهذه الدول.