يواصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، مخالفاً توقعات الأسواق التي رجّحت تراجع الإقبال على المعدن الأصفر مع ارتفاع أسعار الفائدة.
يربط مجلس الذهب العالمي بين إقبال الصين على المعدن الأصفر والظروف التي يمر بها اقتصادها، فمع تراجع العقارات وهبوط عوائد السندات والمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية القائمة، يصبح الذهب الوسيلة الأضمن لحماية أصولها مستقبلاً دون التأثر بالانخفاضات السعرية المؤقتة.
وأضاف البنك 740 ألف أوقية في سبتمبر (أيلول) بعد مشتريات بلغت 650 ألفاً في أغسطس (آب)، ليرتفع إجمالي الاحتياطي الصيني إلى 77.47 مليون أوقية، في خطوة تستهدف تأمين ملاذات آمنة وتنويع الأصول للتحوط من المخاطر الاقتصادية والتقلبات الجيوسياسية.
ورغم هذه المشتريات المتزايدة، تراجعت القيمة السوقية لإجمالي احتياطي الذهب الصيني إلى 323.52 مليار دولار في سبتمبر مقارنة بـ 350.08 مليار دولار في أغسطس، متأثرة بانخفاض أسعار الذهب عالمياً بأكثر من 6% خلال الشهر.
بالتوازي مع ذلك، هبطت احتياطيات الصين من النقد الأجنبي بمقدار 38.1 مليار دولار لتستقر عند 3.4003 تريليون دولار، وهو تراجع عزته إدارة الدولة إلى تقلبات أسعار الصرف وهبوط قيم الأصول المالية العالمية.

لماذا تفضّل الصين الذهب؟
تمنح حصة الذهب في الاحتياطيات الصينية مؤشراً إضافياً على دوافع الشراء، حيث بلغت احتياطيات البنك المركزي الصيني 2,346 طناً بنهاية يونيو (حزيران) 2026، بما يعادل 8% من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي.
وتعكس هذه النسبة استمرار بكين في تعزيز حيازتها من المعدن الأصفر ضمن استراتيجية تنويع الأصول الاحتياطية، بدلاً من الاعتماد على العملات الأجنبية وحدها.
في الوقت ذاته، يربط مجلس الذهب العالمي بين إقبال الصين على المعدن الأصفر والظروف التي يمر بها اقتصادها، فمع تراجع العقارات وهبوط عوائد السندات والمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية القائمة، يصبح الذهب الوسيلة الأضمن لحماية أصولها مستقبلاً دون التأثر بالانخفاضات السعرية المؤقتة.

تباين استثمارات الأفراد
بعيداً عن حسابات الخزائن السيادية، تكشف بيانات السوق الصينية عن تباين في اتجاهات الطلب المحلي على الذهب، حيث سجل الطلب تراجعاً قدره 41% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، ليصل إلى 155 طناً، فيما بلغ إجمالي الطلب خلال النصف الأول من العام 518 طناً، بانخفاض 7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
في المقابل، ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية 31% خلال النصف الأول، إلى 314 طناً، وهو ما يعكس استمرار جاذبية الذهب كأداة استثمارية رغم انحسار الطلب الإجمالي.
أما على الصعيد العالمي، فلا يبدو المشهد الصيني منفصلاً عن توجهات السياسة النقدية الدولية، حيث كشف استطلاع أجراه مجلس الذهب العالمي وشمل 74 بنكاً مركزياً في يونيو (حزيران) الماضي، عن اعتزام 45% منها تعزيز احتياطاتها الذهبية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وهي أعلى نسبة يُسجلها الاستطلاع منذ إطلاقه عام 2018.
ورغم التوقعات الصادرة عن شركة "ميتالز فوكس" بتباطؤ مشتريات البنوك المركزية عالمياً 15% خلال 2026 لتصل إلى 720 طناً، فإن هذه المستويات تظل مرتفعة مقارنة بمرحلة ما قبل 2022.

كيف يحافظ الذهب على جاذبيته؟
وفي تفسير هذه الاتجاهات، يقول المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة" لتداول الذهب والمجوهرات، إن استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب رغم ارتفاع الفائدة يعكس تحولًا استراتيجياً في إدارة الاحتياطيات، وليس مجرد رهان على ارتفاع الأسعار.
وفي حديثه لـ"24"، استدل "إمبابي" على ذلك ببلوغ صافي مشتريات البنوك المركزية 863 طناً خلال 2025، مقارنة بمتوسط سنوي قدره 473 طناً خلال الفترة من 2010 إلى 2021.
وأشار إلى أن الصين تقدم مثالاً واضحاً على هذا التوجه، حيث واصلت زيادة احتياطياتها من الذهب رغم تراجع أسعاره خلال سبتمبر (أيلول)، وهو ما يعكس رغبة البنوك المركزية في تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية، والتحوط من مخاطر الديون السيادية والتوترات الجيوسياسية والعقوبات الدولية.
ورغم أن ارتفاع الفائدة الحقيقية يزيد كلفة الاحتفاظ بالذهب، يرى "إمبابي" أن ذلك لا يقلل من قيمته الاستراتيجية كأصل خالٍ من المخاطر الائتمانية، مختتماً تصريحاته بالتأكيد على أن هذا الدعم المؤسسي المتواصل يحمي أسعار الذهب ويدعمها على المدى الطويل، بغض النظر عن تراجعاتها المؤقتة تحت ضغط الدولار وعوائد السندات.