عكست التداولات المسبقة للعقود الآجلة وسوق الديون العالمي تحولاً استباقياً حاداً، إثر هبوط عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 8.4 نقاط أساس لتستقر عند 5.105%، مسجلة أدنى مستوياتها في 3 أسابيع.

 وجاء  التراجع المبكر في عوائد السندات  مدفوعاً بنزوح سيولة المؤسسات والصناديق الدولية خارج أوقات التداول الرسمية نحو الديون السيادية كملاذ آمن، وسط مؤشرات قوية على موجة بيع مرتقبة تستهدف أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مما يضع المؤشرات الأمريكية الرئيسية تحت ضغط حقيقي قبل بدء التداول الفعلي اليوم الخميس .

إعادة رسم الخريطة

جاءت  التحركات المسجلة في أسواق الديون عقب صدور قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر(أيلول)، والتي أظهرت تسارع التضخم السنوي إلى 3.7%، متجاوزاً التوقعات البالغة 3.6%. الأمر الذي  أثار في البداية مخاوف من استمرار التشدد النقدي، حيث رفعت الصناديق الاستثمارية رهاناتها عبر أداة سي إم إي فيدواتش لترجيح خيار رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام الجاري بنسبة تتجاوز 70.6%.

ومع ذلك، التقطت الأسواق أنفاسها وأعادت توجيه بوصلتها بناءً على تصريحات  أدلى بها جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. 

وأشار ويليامز إلى أن إقرار زيادة واحدة إضافية قبل نهاية عام 2026 قد يكون كافياً تماماً، مستبعداً في الوقت ذاته الحاجة لأي زيادات إضافية بحلول عام 2027.

وأكد رئيس فيدرالي نيويورك أن الضغوط السعرية القطاعية المتربطة بالطاقة أو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هي ضغوط معزولة لا تعني حمى نمو مفرط للاقتصاد ككل، مشدداً على أن الاتجاه العام للتضخم الأساسي يظل هبوطياً.

 ونجحت تصريحات ويليامز في تهدئة روع المستثمرين بشأن المبالغة في رفع الفائدة، مما أدى مباشرة إلى انتعاش أسعار السندات وهبوط العوائد طويلة الأجل بوتيرة سريعة لتسجل أكبر انخفاض يومي لها منذ أشهر.

موجة صعود الذكاء الاصطناعي

لسنوات طويلة، مثّل قطاع التكنولوجيا المتقدمة، لا سيما الشركات المرتبطة بالطفرة التكنولوجية للذكاء الاصطناعي، الحصان الرابح الذي قاد مؤشر إس أند بي 500 إلى مستويات قياسية تجاوزت 7800 نقطة. إلا أن بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول بدأ يفرز تداعيات سلبية واضحة.فقد أصبحت التقييمات المتضخمة لشركات التكنولوجيا تواجه تحدي تكلفة التمويل الباهظة.

وتعتمد كبريات شركات التقنية والشركات الناشئة في هذا المجال على الاقتراض المكثف لتمويل مراكز البيانات العملاقة وشراء الرقائق المتقدمة، وأي زيادة في تكلفة رأس المال تلتهم هوامش الربح المستقبلية.

علاوة على ذلك، تبرز جاذبية العائد الخالي من المخاطر كعامل ضغط إضافي، فعندما توفر سندات الخزانة الأمريكية عائداً مضموناً من الحكومة يتجاوز 5%، فإن الجدوى الاستثمارية لمطاردة أسهم تكنولوجية ذات تقييمات سعرية مجهدة ومخاطر تقلب عالية تصبح أقل إغراءً للمؤسسات الكبرى. 

ونتيجة لذلك، اندفعت الصناديق الاستثمارية لإعادة موازنة محافظها، مما تسبب في هبوط مؤشر ناسداك المجمع بنسبة 1.9% في جلسة العقود الآجلة، مع تسجيل خسائر حادة لأسهم قيادية مثل مايكروسوفت وأبل وألفابت ونتفليكس.

 ولم تتوقف الموجة عند وول ستريت، بل امتدت الشرارة إلى الأسواق الآسيوية، حيث انهار مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 8%، مما أدى إلى تفعيل آلية تعليق التداول التلقائي لتهدئة الهلع.

إعادة تقييم استراتيجي 

تعليقاً على هذه التحركات الاستثنائية، يرى معهد بلاك روك للاستثمار أن التحول الحالي يمثل نقطة إعادة ضبط حقيقية. 

وفي مذكرة موجهة للعملاء، صرح جان بويفين، رئيس المعهد، بأن المعهد قرر خفض تصنيف الأسهم الأمريكية إلى حيادي وتوجيه السيولة نحو الديون الحكومية قصيرة وطويلة الأجل بعد غياب دام ست سنوات، مضيفاً أن مستويات العائد بلغت حداً يعكس رؤية المعهد طويلة الأجل للفائدة المرتفعة، والسعي حالياً لتأمين دخل ثابت وجاذب لحماية المحافظ من تقلبات الأسواق.

ومن جانبه، أشار تقرير صادر عن مجموعة غولدمان ساكس إلى أن صناديق الاستثمار المشتركة والتحوط دخلت موجة الهبوط وهي تمتلك مراكز دون الوزن النسبي المستهدف في السندات، مما يعني أن الهبوط الحالي في العوائد يعكس تسارع هذه الصناديق لتغطية مراكزها وشراء السندات بأسعارها الحالية قبل استمرار تراجع العوائد في الربعين القادمين.

وفي سياق متصل، أوضحت  مؤسسة إيه جي بيل، طبيعة هذا التدوير الاستثماري مبينة أنه عندما تتيح الديون السيادية للمستثمرين الحصول على عوائد مرتفعة نسبياً بمخاطر شبه معدومة، فإن الأسهم والقطاعات عالية النمو مطالبة ببذل جهد مضاعف لتحسين تدفقاتها النقدية لتبرير علاوة المخاطرة وتقلباتها. 

وألمح  بنك أوف أمريكا إلى أن مسح مديري الصناديق الأخير يظهر أن عوائد السندات تحتاج للوصول إلى مستويات قريبة من 5.9% لإحداث نزوح كلي ودائم من الأسهم، مما يعني أن التراجع الحالي إلى مستوى 5.105% هو حركة تصحيحية وتدوير مرحلي لحماية الأرباح وليس انهياراً هيكلياً لسوق الأسهم.

الذهب وترقب الأسواق

في المقابل، تشهد أسواق الذهب العالمية حالة استثنائية من الزخم، حيث تتداول العقود الفورية للمعدن النفيس عند مستويات 4156 دولاراً للأونصة. 

وعلى الرغم من أن الحركة الفورية لليوم تظهر ارتفاعا  في سعر المعدن الاصفر  ،إلا أن المشهد العام يؤكد تفكك الارتباط العكسي التقليدي بين الذهب وعوائد السندات المرتفعة.

وتجمع بيوت الخبرة على أن الذهب ينتظر حالياً صدور الحزمة التالية من البيانات الاقتصادية الكلية، وعلى رأسها مؤشر أسعار المنتجين وبيانات مبيعات التجزئة، إلى جانب طلبات إعانة البطالة الأسبوعية. 

وإذا أكدت هذه البيانات تباطؤاً في النشاط الاقتصادي، فإن ذلك سيعزز من فرضية انتهاء دورة التشديد تماماً، مما يفتح الباب أمام قفزة تاريخية جديدة للذهب، بالتزامن مع استمرار هبوط عوائد السندات إلى مستويات ما دون 5%  .