لم تكد شوارع فرنسا تهدأ من احتجاجات السبت، حتى بدأت فاتورتها الاقتصادية في الظهور: نحو 1,500 متجر متضرر، ومبانٍ عامة محترقة، وخسائر تُقدَّر بمئات ملايين اليوروهات، في واحدة من أعنف موجات الاضطراب التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

ووفقاً لوكالة "رويترز"، شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات بعشرات المدن، في التقاء بين حركة طلابية مستمرة منذ نحو شهر واستياء اجتماعي أوسع من غلاء المعيشة وخفض الإنفاق العام. وبينما احتج مئات الآلاف سلمياً، استهدفت مجموعات عنيفة مبانيَ عامة، ونهبت متاجر فاخرة ومحلات كبرى، واشتبكت مع الشرطة.

ومن المقرر أن يوجه الرئيس إيمانويل ماكرون كلمة إلى الأمة في الثامنة من مساء الأحد، بتوقيت باريس، (22:00 بتوقيت أبوظبي).

حصيلة يوم واحد

وكشفت الأرقام الرسمية حجم الاضطرابات خلال يوم واحد. فبحسب وزير الداخلية لوران نونيز، اعتقلت الشرطة نحو 1,800 شخص في أنحاء فرنسا، منهم 855 في باريس وحدها، في رقم قياسي للعاصمة، فيما أصيب أكثر من 500 من أفراد الشرطة. ولقي متظاهر حتفه إثر إصابته بسكتة قلبية خلال المظاهرات في باريس، وفقاً لـ"رويترز".

ولم تقتصر الأضرار على المتاجر، إذ التهمت النيران مبنى بلدية ليموج التاريخي، الذي يعود إلى 143 عاماً، وانهار برجه أمام عدسات الكاميرات. وفي ليون، ثالث أكبر المدن الفرنسية، اندلع حريق داخل مكتب للسياحة، وفقاً لشبكة "سي بي إس نيوز".

التجزئة في الخط الأول

كان قطاع التجزئة الخاسر الأكبر. فقد قال ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد التجارة والتوزيع والرئيس التنفيذي لمجموعة "كارفور"، نحو 1,500 متجر تضررت بشكل مباشر، كثير منها تعرض للنهب، مقدراً إجمالي الأضرار بـ"عدة مئات من ملايين اليوروهات"، وداعياً إلى تسريع إجراءات التعويض من شركات التأمين.

وشملت الأضرار متاجر في باريس ومرسيليا وليون وبوردو ونانت ونيس، من محلات السوبرماركت والملابس والمعدات الرياضية، إلى متاجر السلع الفاخرة والهواتف المحمولة.

من يدفع الفاتورة؟

تقع الفاتورة المباشرة بالدرجة الأولى على شركات التأمين، ثم على الدولة والسلطات المحلية وأصحاب الأعمال غير المؤمَنين.

وتقدم الاحتجاجات السابقة مؤشراً على حجم الكلفة المحتملة. فخلال أعمال الشغب التي أعقبت مقتل الشاب نائل على يد الشرطة صيف 2023، بلغت كلفة مطالبات التأمين نحو 650 مليون يورو، توزعت بين 55% للممتلكات التجارية و35% لممتلكات السلطات المحلية، وفقاً لاتحاد شركات التأمين الفرنسية "فرانس أسورور"، بحسب وكالة "بلومبرغ".

وكانت تلك الكلفة أعلى بأكثر من الضعف من أضرار احتجاجات "السترات الصفراء" عام 2018، التي بلغت 249 مليون يورو، وأضرار أعمال شغب 2005 البالغة 204 ملايين يورو.

لكن التأمين لا يغطي كل شيء. فبعد أحداث 2023، تبين أن نصف تجار التجزئة فقط كانوا مؤمَنين ضد توقف الأعمال، أي أن كثيراً من المتاجر تحملت وحدها خسائر الإغلاق والتوقف عن البيع.

الأثر الاقتصادي يتجاوز الزجاج المحطم

لا تقتصر الكلفة على إصلاح ما تحطم، فالاحتجاجات تحمل آثاراً اقتصادية أوسع:

  • خسائر الإغلاق: توقف المتاجر المتضررة عن العمل لأيام أو أسابيع، مع خسارة المبيعات والأجور.
  • صورة فرنسا السياحية: تنتشر مشاهد الحرائق والنهب عالمياً، في بلد يُعد من أكثر الوجهات السياحية زيارة. وبعد أحداث 2023، حذر رئيس اتحاد أصحاب العمل الفرنسي من أن تلك المشاهد أضرت بصورة فرنسا حول العالم.
  • ضغط على المالية العامة: تتحمل الدولة والبلديات كلفة إعادة بناء المباني العامة وتعزيز الانتشار الأمني، في وقت تحاول فيه الحكومة خفض الإنفاق، وهو أحد أسباب الاحتجاجات أصلاً.
  • ضغط سياسي: تزيد الاضطرابات الضغط على ماكرون وحكومته مع اقتراب الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

فرنسا.. مظاهرات مناهضة لغلاء المعيشة تتحول إلى أعمال عنف - موقع 24أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع واشتبكت مع محتجين في عدة مدن فرنسية، اليوم السبت، فيما نزل آلاف الأشخاص إلى الشوارع في بعض من أكثر الاحتجاجات عنفاً منذ سنوات، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات العامة.

أدوات بيد الحكومة

وبدأت الحكومة التحرك، إذ تعهد وزير الاقتصاد، رولان ليسكور، بدعم أصحاب الأعمال المتضررين، مؤكداً أن "من يحطمون الممتلكات سيدفعون الثمن ويصلحون الأضرار"، بحسب "رويترز".

وتقدم تجربة 2023 مؤشراً على الأدوات المتاحة أمام الحكومة لاحتواء الخسائر، إذ سمحت حينها للشركات المتضررة بتأجيل سداد الضرائب ومساهمات الضمان الاجتماعي خلال فترة إعادة البناء. كما طالبت شركات التأمين بتمديد مهل الإبلاغ عن الأضرار إلى 30 يوماً، وتسريع معالجة المطالبات، وصرف دفعات مسبقة للحالات الأكثر صعوبة، إلى جانب دراسة أوضاع أصحاب الأعمال الصغيرة كل حالة على حدة، لتخفيف أثر الاقتطاعات المنصوص عليها في عقود التأمين.

ولم تُعلن حتى الآن حصيلة رسمية نهائية لكلفة احتجاجات، السبت، لكن تقديرات قطاع التجزئة وحدها تتحدث عن مئات ملايين اليوروهات في ليلة واحدة. وإذا استمرت الاحتجاجات، فإن الفاتورة مرشحة لتقترب من مستويات 2023 أو تتجاوزها، فيما تتجه الأنظار إلى كلمة ماكرون الليلة لمعرفة ما إذا كانت الحكومة ستكتفي بالأمن والتعويضات، أم ستقدم إجابات على الأسباب الاقتصادية التي أشعلت الشارع.