أثارت مخاوف أمريكية من وصول آلة هولندية متخصصة في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين أزمة لشركة "إيه إس إم إل" الهولندية، التي تنفرد عالمياً بإنتاج أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، المستخدمة في تصنيع أكثر الرقائق تطوراً، بما يدعم إنتاج أشباه الموصلات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر قدرة.
وذكرت مجلة "ذي إيكونوميست" أن أمريكا تخشى وصول إحدى هذه الآلات إلى الصين، رغم القيود الأمريكية المفروضة على تصديرها منذ عام 2019. وتضع هذه القضية صناعة الرقائق المتقدمة في قلب التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، نظراً إلى الدور الحاسم الذي تؤديه هذه المعدات في إنتاج أشباه الموصلات الأكثر تطوراً.
احتكار هولندي لمعدات استراتيجية
تتمتع شركة "إيه إس إم إل" بموقع استثنائي في صناعة أشباه الموصلات، إذ تعد الشركة الوحيدة التي تصنع أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، المعروفة اختصاراً باسم "إي يو في".
وتتيح هذه الأنظمة إنتاج الرقائق الأكثر تقدماً، التي تشكل عنصراً أساسياً في تطوير قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي. ويمنح هذا التفرد الشركة الهولندية أهمية تتجاوز حدود سوق المعدات الصناعية، لتصبح تقنيتها عاملاً مؤثراً في قدرة الدول على الوصول إلى أشباه الموصلات المتقدمة.
ومع ارتباط إنتاج هذه الرقائق بتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر قدرة، أصبحت المعدات التي تصنعها الشركة جزءاً محورياً من المنافسة على التفوق التكنولوجي.
قيود التصدير تعيد رسم التجارة التكنولوجية
فرضت الولايات المتحدة منذ عام 2019 قيوداً على تصدير آلات "إي يو في" إلى الصين، في خطوة تستهدف الحد من وصولها إلى المعدات اللازمة لإنتاج أشباه الموصلات الأكثر تطوراً. وتعكس هذه القيود تحولاً في التعامل مع تجارة التكنولوجيا المتقدمة، إذ باتت المعدات الصناعية ذات الاستخدام الاستراتيجي محوراً مباشراً للسياسات التجارية والضغوط الجيوسياسية.
ويبرز هذا الملف الترابط بين تجارة المعدات المتخصصة وسلاسل إنتاج الرقائق، حيث لا تقتصر أهمية الآلات على قيمتها الصناعية، بل تمتد إلى قدرتها على تمكين إنتاج مكونات تدخل في تطبيقات الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي. ولذلك، فإن وصول هذه المعدات إلى السوق الصينية يمثل قضية تتجاوز التجارة التقليدية إلى المنافسة على القدرات الإنتاجية المستقبلية.
ضغوط أمريكية تضع الشركة أمام أزمة
دخلت "إيه إس إم إل" في دائرة الضغوط الأمريكية بعدما أعلن وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، خلال الأسابيع الأخيرة، مخاوفه من احتمال وصول إحدى آلات الشركة إلى الصين.
وأدى طرح هذه المخاوف إلى وضع الشركة أمام أزمة مرتبطة بموقع تقنيتها في الصراع التجاري بين واشنطن وبكين. وتكشف هذه التطورات عن حساسية موقع الشركات التي تحتكر تقنيات صناعية متقدمة، إذ يمكن أن تتحول صادراتها ووجهاتها التجارية إلى قضايا ترتبط مباشرة بالسياسات الحكومية. كما تبرز أهمية قرارات التصدير في تحديد الجهات القادرة على الاستفادة من التقنيات التي تقوم عليها الصناعات الرقمية الحديثة.
التكنولوجيا بوصفها أصلاً اقتصادياً استراتيجياً
لا تقتصر أهمية التقنية الهولندية على صناعة الرقائق، بل ترتبط أيضاً بتوازن النفوذ الاقتصادي بين الدول. ويستند هذا التأثير إلى دور أشباه الموصلات في تشغيل أنظمة الحوسبة المتقدمة ونماذج الذكاء الاصطناعي، ما يجعل الوصول إلى معدات إنتاجها عاملاً مؤثراً في المنافسة التكنولوجية.
وتوضح القضية أن امتلاك المعرفة الصناعية المتخصصة قد يمنح الشركات والدول نفوذاً يتجاوز حجمها الاقتصادي، عندما تصبح تقنياتها ضرورية لقطاعات استراتيجية. وفي سوق أشباه الموصلات، تتحول السيطرة على معدات الإنتاج المتقدمة إلى عنصر حاسم في تحديد من يستطيع تصنيع الرقائق الأكثر تطوراً، ومن يمتلك القدرة على توسيع حضوره في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.