يواجه المشرّعون السويسريون معضلة اقتصادية وتنظيمية مع اقتراب مناقشة متطلبات رأس المال الجديدة لبنك "يو بي إس"، أكبر بنوك البلاد، إذ قد تدفع القواعد الأكثر تشدداً المصرف إلى نقل مقره خارج سويسرا، فيما قد يؤدي تخفيفها إلى اعتراضات سياسية تفضي إلى استفتاء شعبي، ما يهدد بإطالة أمد عدم اليقين بشأن مستقبل البنك.
ومن المقرر أن تبدأ لجنة في المجلس الوطني السويسري، في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، مناقشة التعديلات التنظيمية التي أقرها مجلس الولايات في سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي تستهدف تعزيز متانة القطاع المصرفي عقب انهيار بنك "كريدي سويس" عام 2023، وسط معارضة من إدارة "يو بي إس" التي تعتبر المتطلبات المقترحة مفرطة وتضر بقدرتها التنافسية، بحسب "رويترز".
وتأتي المناقشات بعدما حث مستثمرون كبار البنك على دراسة مغادرة سويسرا بحثاً عن بيئة تنظيمية أقل تشدداً، فيما يضع المصرف خططاً احتياطية محتملة تشمل نقل مقره الرئيسي أو الاندماج مع مؤسسة مصرفية أخرى، رغم ما قد تنطوي عليه هذه الخيارات من تكاليف ومخاطر مرتبطة بفقدان هويته السويسرية.
معضلة التشدد والتساهل
قال ليو مولر، النائب عن حزب الوسط وعضو اللجنة البرلمانية المعنية، إن "المشرّعين يواجهون موقفاً بالغ التعقيد"، محذراً من أن تخفيف المتطلبات بصورة كبيرة قد يدفع معارضيها إلى المطالبة باستفتاء شعبي، بينما يمكن أن يؤدي التشدد المفرط إلى دفع البنك نحو البحث عن مقر خارج سويسرا، بحسب "رويترز".
وأشار مولر إلى أن رفض القواعد الجديدة في استفتاء محتمل قد يعيد العملية التشريعية إلى نقطة البداية، في حين أن فرض متطلبات رأسمالية مرتفعة قد يزيد أعباء ممارسة الأعمال على البنك ويضعف جاذبية سويسرا مقراً للمؤسسات المالية العالمية.
خلاف حول نسب رأس المال
أقر مجلس الولايات السويسري مقترحاً يقضي بإلزام "يو بي إس" بتغطية استثماراته في الشركات التابعة الأجنبية بنسبة %90 من رأس المال الأساسي من الشريحة الأولى (CET1)، مقارنة بمتطلب قائم يبلغ %60 مع السماح باستخدام أدوات رأسمالية أخرى للوفاء بجزء منه، بينما كانت الحكومة السويسرية قد اقترحت تغطية هذه الاستثمارات بالكامل بنسبة %100 من رأس المال الأساسي".
ويهدف المقترح الحكومي إلى تعزيز قدرة المصارف ذات الأهمية النظامية على تحمل الخسائر الناشئة عن أنشطتها الخارجية، والحد من انتقال المخاطر إلى الشركة الأم والنظام المالي المحلي، في إطار مراجعة قواعد المصارف الكبرى عقب انهيار "كريدي سويس"، وفقاً لبيان المجلس الاتحادي السويسري الصادر في 22 أبريل (نيسان) 2026.
في المقابل، يرى بنك "يو بي إس" أن رفع متطلبات رأس المال إلى %90 يمثل تشديداً مفرطاً، وقد يؤثر سلباً في قدرته التنافسية مقارنة بالمصارف العالمية، مؤكداً أن القرار البرلماني لا يعالج الأسباب الجوهرية التي أدت إلى انهيار "كريدي سويس"، بحسب البيان الرسمي الصادر عن البنك في 23 سبتمبر 2026.
مقترح بديل بنسبة %75
وفي محاولة للتوصل إلى تسوية، طرح هانس بيتر بورتمن، النائب عن الحزب الليبرالي، مقترحاً يقضي بتغطية استثمارات الوحدات الأجنبية بنسبة %75 من رأس المال الأساسي من الشريحة الأولى، مع إضافة آلية لتعزيز قدرة البنك على امتصاص الخسائر إذا تراجعت نسب رأس المال عن مستويات محددة، وفقاً لـ"رويترز".
وأوضح بورتمن أن المقترح يهدف إلى تحقيق توازن بين تمكين البنك من تحقيق عوائد مناسبة للمساهمين والاحتفاظ برأس المال اللازم للاستثمار المستقبلي، وبين تقليص مخاطر التعثر التي قد تنعكس على الاقتصاد السويسري.
وتبرز أهمية هذه التسوية المحتملة في أن زيادة متطلبات رأس المال قد ترفع تكلفة الامتثال التنظيمي وتحد من مرونة البنك في توزيع موارده، بينما يسعى المشرّعون إلى تعزيز قدرته على استيعاب الخسائر دون تحميل الاقتصاد أو دافعي الضرائب مخاطر إضافية، في ضوء أهداف الإصلاح التي حددها المجلس الاتحادي السويسري.
الاستفتاء يهدد بإطالة الأزمة
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى "رويترز"، تؤيد وزيرة المالية السويسرية كارين كيلر سوتر إقرار متطلب تغطية بنسبة %90، مع استمرار احتمال اللجوء إلى استفتاء شعبي للطعن في التشريع إذا استوفى المعارضون الشروط القانونية اللازمة، فيما امتنعت وزارة المالية عن التعليق على موقف الوزيرة.
أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يؤيد اعتماد نسبة %100 من رأس المال الأساسي، فأوضح أنه سيحسم موقفه من المطالبة باستفتاء بعد انتهاء البرلمان من مناقشة التشريع، وهي عملية لا يُتوقع إنجازها قبل ديسمبر (كانون الأول) المقبل على أقرب تقدير، بحسب "رويترز".
وتزيد احتمالات اللجوء إلى الاستفتاء من تعقيد المفاوضات، إذ يتعين على المشرّعين التوصل إلى صيغة تحظى بقبول سياسي كافٍ، دون الإخلال بأهداف الاستقرار المالي أو دفع البنك إلى مراجعة خياراته بشأن مقر أعماله، وفقاً لتصريحات النواب والمصادر البرلمانية.
بنوك أجنبية تبدي اهتماماً بالاندماج مع "يو بي إس" السويسري - موقع 24أبدت عدة بنوك أجنبية كبرى اهتمامها باحتمال الاندماج، أو توحيد الأعمال مع بنك "يو بي إس" السويسري، وفقاً لما أوردته صحيفة سويسرية، الأحد.
المستثمرون يضغطون لمغادرة سويسرا
وتصاعدت الضغوط على إدارة "يو بي إس" من جانب بعض المساهمين، بعدما دعت شركة "أرتيزان بارتنرز" الاستثمارية البنك علناً إلى مغادرة سويسرا بسبب المتطلبات التنظيمية المقترحة، معتبرة أنها تفرض أعباء قد تؤثر في قدرته على المنافسة الدولية.
وفي المقابل، أكد البنك مراراً رغبته في الاحتفاظ بمقره السويسري، مشدداً على أن وجوده في البلاد يعود بفوائد متبادلة على المؤسسة والاقتصاد المحلي، رغم اعتراضه على التشدد في متطلبات رأس المال، وفقاً لبيانات "يو بي إس" وتصريحات مسؤوليه التي نقلتها "رويترز".
صدمة "كريدي سويس".. سويسرا تشدد الرقابة على البنوك الكبرى - موقع 24اقترحت سويسرا منح هيئة الرقابة المالية صلاحيات أوسع، إلى جانب إقرار قواعد جديدة لمساءلة المصرفيين وتنظيم المكافآت، في إطار تشديد منظومتها الرقابية عقب انهيار بنك "كريدي سويس".
توقعات بتسوية قرب %90
تشير مواقف النواب إلى أن فرص تخفيف القواعد بصورة كبيرة تبدو محدودة، بعدما حظي مقترح نسبة %90 بدعم أقوى من المتوقع في مجلس الولايات، بينما تتباين مواقف أحزاب الوسط ويمين الوسط في المجلس الوطني بين الدعوة إلى تسوية أقل تشدداً وتأييد الإبقاء على المتطلبات المرتفعة، وفقاً لمصادر برلمانية تحدثت إلى "رويترز".
وقال أوليفييه فيلر، النائب عن الحزب الليبرالي، إنه يتوقع أن يستقر موقف المجلس الوطني عند نسبة %90، رغم تأييده الشخصي تغطية استثمارات الوحدات الأجنبية بالكامل بنسبة %100 من رأس المال الأساسي، موضحاً أن موقف حزبه لا يزال قيد النقاش.
بدوره، رجح أورس ساكسر، أستاذ القانون في جامعة زيورخ، أن تقترب أي تسوية نهائية من نسبة %90، مستبعداً أن يتخذ "يو بي إس" قرار مغادرة سويسرا دون أسباب قوية، نظراً لما توفره البلاد من استقرار ويقين قانوني يصعب العثور عليهما في أسواق أخرى.
وبذلك، يتجاوز الخلاف بشأن قواعد رأس المال الجوانب المصرفية الفنية، ليضع سويسرا أمام اختبار لتحقيق التوازن بين الحد من المخاطر النظامية والحفاظ على جاذبيتها مركزاً مالياً عالمياً، فيما تظل النتائج النهائية مرهونة بالمداولات البرلمانية وقدرة الأطراف على التوصل إلى تسوية تحول دون استمرار حالة عدم اليقين، وفقاً لمعطيات "رويترز" والبيانات الرسمية السويسرية.