يعيد تسارع نمو الاقتصاد الصيني، تشكيل توقعات الطلب العالمي على الطاقة، وسط تباين واضح بين ارتفاع استهلاك الكهرباء والفحم وتراجع الطلب على النفط، في وقت تواصل فيه بكين توسيع قدراتها من مصادر الطاقة النظيفة وتعزيز مخزوناتها من الغاز الطبيعي، ما يجعل تأثير ثاني أكبر اقتصاد في العالم على أسعار الوقود والإمدادات الدولية أكثر تعقيداً من مجرد ارتباطها بمعدلات النمو، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة، الإثنين، نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة %4.5 على أساس سنوي خلال الربع الثالث من 2026، مقارنة بـ%4.3 في الربع الثاني، فيما بلغ النمو خلال الأشهر التسعة الأولى %4.6، مدفوعاً بقوة الصادرات والنشاط الصناعي، رغم استمرار ضعف الطلب المحلي، بحسب المكتب الوطني للإحصاء الصيني.
الكهرباء.. طلب متزايد تدعمه الصناعة
تتوقع وكالة الطاقة الدولية تسارع نمو الطلب الصيني على الكهرباء إلى %5.5 خلال 2026، مقارنة بـ%5.2 في 2025، مدفوعاً بارتفاع النشاط الصناعي والتوسع في استخدام السيارات الكهربائية، ما يعزز أهمية تطوير قدرات التوليد وشبكات نقل الكهرباء لتلبية الاحتياجات المتزايدة، وفقاً لتقرير الوكالة عن سوق الكهرباء الصادر في منتصف 2026.
وتأتي هذه التوقعات بالتزامن مع توسع الصين في الصناعات عالية التقنية والتحول الكهربائي في قطاع النقل، ما يرفع أهمية الكهرباء في منظومة الطاقة المحلية، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى زيادة مماثلة في استهلاك النفط، خاصة مع إحلال المركبات الكهربائية محل السيارات العاملة بالوقود التقليدي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية وتحليل نشره موقع "كاربون بريف".
الفحم يحتفظ بدوره في أمن الطاقة
رغم التوسع السريع في الطاقة الشمسية والرياح، لا يزال الفحم يمثل عنصراً أساسياً في منظومة الطاقة الصينية، خصوصاً عند ارتفاع الطلب على الكهرباء أو تراجع إنتاج المصادر المتجددة، في وقت تتوقع فيه وكالة الطاقة الدولية زيادة استهلاك الصين من الفحم بنسبة %1 خلال 2026 إلى نحو 5 مليارات طن، مقابل 4.956 مليارات طن في 2025.
وكان توليد الكهرباء باستخدام الفحم انخفض بنحو %1.5 خلال 2025، رغم ارتفاع استهلاك الكهرباء، بعدما أسهمت الزيادة في توليد الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية والنووية في تلبية جانب كبير من الطلب الإضافي، وفقاً لتقرير وكالة الطاقة الدولية عن تطورات الطاقة العالمية لعام 2026.
وفي النصف الأول من 2026، انخفضت حصة الفحم من إجمالي توليد الكهرباء في الصين إلى %49.7، لتتراجع دون مستوى النصف للمرة الأولى، بينما بلغ إجمالي القدرة المركبة للطاقة الشمسية والرياح 1.95 مليار كيلوواط بنهاية يونيو (حزيران)، بزيادة %16.8 على أساس سنوي، بحسب الهيئة الوطنية للطاقة الصينية.
ويعكس هذا التطور تغيراً تدريجياً في مزيج توليد الكهرباء، دون أن يعني انتهاء الاعتماد على الفحم، إذ تظل مساهمته مرتبطة بحجم الطلب وظروف إنتاج الطاقة الكهرومائية والرياح والشمس، فضلاً عن احتياجات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
النفط.. الواردات تتراجع رغم النمو
في المقابل، كشفت بيانات سوق النفط عن اتجاه مختلف، إذ انخفض متوسط واردات الصين من الخام بنسبة %32 خلال الربع الثاني من 2026 مقارنة بالربع الأول، ليصل إلى 8.1 ملايين برميل يومياً، في ظل ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات المارة عبر مضيق هرمز، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وأظهر تحليل نشره موقع "كاربون بريف" في سبتمبر (أيلول) انخفاض استهلاك النفط الصيني بنحو %9 على أساس سنوي خلال الربع الثاني، بالتزامن مع تراجع معالجة الخام في المصافي بنسبة %11، بينما انخفض استهلاك النفط في قطاع النقل بنحو %16، ما يعكس تأثر الطلب باضطرابات الإمدادات وتسارع التحول إلى المركبات الكهربائية والنقل العام.
وأشار التحليل إلى أن السحب من المخزونات النفطية أسهم في الحد من الحاجة إلى الاستيراد، ما يعني أن تراجع الواردات لا يمكن تفسيره بانخفاض الاستهلاك وحده، وإنما يعكس تداخلاً بين تقلص الطلب الفعلي واستخدام المخزونات للتعامل مع اضطرابات الإمدادات، بحسب "كاربون بريف".
وتبرز أهمية هذه المؤشرات في أن الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام عالمياً، قادرة على التأثير في توازن السوق الدولية، إذ يمكن لانخفاض مشترياتها أن يحد من الضغوط السعرية الناتجة عن اضطرابات المعروض، بينما قد يؤدي تعافي وارداتها إلى زيادة المنافسة على الشحنات المتاحة، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
الاقتصاد الصيني ينمو 4.5% في الربع الثالث رغم ضغوط الطاقة - موقع 24سجل الاقتصاد الصيني نمواً بنسبة 4.5% في الربع الثالث من عام 2026، متجاوزاً توقعات المحللين بفارق طفيف بفضل قوة صادرات منتجات الذكاء الاصطناعي. ورغم هذا الأداء الخارجي، يواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضغوطاً مستمرة ناتجة عن ضعف الإنفاق المحلي وارتفاع تكاليف الطاقة.
الصين تعزز مخزون الغاز قبل الشتاء
وفي سوق الغاز الطبيعي، عززت الصين احتياطياتها استعداداً لموسم الشتاء، بعدما بلغت نسبة امتلاء منشآت التخزين الجوفي نحو %80 بنهاية سبتمبر (أيلول)، في إطار عمليات شراء وتخزين مبكرة استهدفت الحد من التعرض لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات العالمية، وفقاً لتقديرات شركة "رايستاد إنرجي" التي نقلتها "بلومبرغ" في 16 أكتوبر.
وقالت شيونغ وي، المحللة لدى "رايستاد إنرجي"، إن تراجع مخزونات الغاز الطبيعي المسال في محطات الاستيراد قد يخلق طلباً إضافياً لإعادة التخزين بنحو مليونَي طن، إذا قرر المستوردون إعادة ملء الخزانات إلى أقصى طاقتها قبل الشتاء، بحسب "بلومبرغ".
وتعني مستويات التخزين الجوفي المرتفعة أن الصين قد تكون أقل اضطراراً للمنافسة على شحنات الغاز الفورية خلال الشتاء، ما يمكن أن يخفف الضغوط على المستوردين الآخرين في آسيا وأوروبا، إلا أن هذا الاحتمال يظل مرتبطاً بدرجات الحرارة والطلب الفعلي وحجم المخزونات في محطات استقبال الغاز المسال، وفقاً لتحليل "رايستاد إنرجي" الذي نقلته "بلومبرغ".
المخزونات وشراكات الأنابيب.. كيف تُحَصِّن الصين حصتها من الغاز؟ - موقع 24نجحت الصين في بناء وسادة أمان مبكرة لتلبية الطلب المحلي على الغاز الطبيعي خلال فصل الشتاء المقبل، وتأتي هذه الخطوة عقب تحركات استباقية مكثفة نَفّذها المستوردون الصينيون لتحصين السوق المحلية ضد أي صدمات أو قفزات حادة في الأسعار العالمية.
الطاقة المتجددة تحد من استهلاك الوقود
وتسعى الصين إلى تلبية جانب متزايد من احتياجاتها الكهربائية عبر مصادر الطاقة المتجددة، إذ بلغ توليد الكهرباء من هذه المصادر نحو تريليونَي كيلوواط ساعة خلال النصف الأول من 2026، بزيادة تقارب %9 على أساس سنوي، لتستحوذ على %41.2 من إجمالي الإنتاج الكهربائي، بحسب الهيئة الوطنية للطاقة الصينية.
ويسهم التوسع في مصادر الطاقة المتجددة في تقليل الحاجة إلى الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء، لكنه لا يلغي استخدام النفط في قطاعات مثل الطيران والبتروكيماويات، كما لا يمنع استمرار استخدام الفحم والغاز لتلبية الطلب في أوقات انخفاض إنتاج المصادر المتجددة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
وتشير الوكالة إلى أن توسع الطاقة النظيفة يحتاج إلى استثمارات موازية في شبكات نقل الكهرباء وأنظمة التخزين ومرونة التشغيل، لضمان استيعاب القدرات الجديدة والحفاظ على استقرار الإمدادات، خصوصاً مع استمرار ارتفاع استهلاك الكهرباء في الاقتصادات الكبرى.

تداعيات متباينة على الاقتصاد العالمي
تتوقف تداعيات النمو الصيني على أسواق الطاقة العالمية على طبيعة الطلب الإضافي ومصدر تلبيته، إذ قد يسهم ارتفاع الاستهلاك الصناعي في زيادة الحاجة إلى الكهرباء وبعض أنواع الوقود، بينما يحد التوسع في الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية من الطلب على النفط في استخدامات أخرى، وفقاً لمعطيات وكالة الطاقة الدولية و"كاربون بريف".
وفي سوق النفط، يمكن لتراجع واردات الصين أن يخفف حدة المنافسة على الإمدادات العالمية، بينما قد يؤدي ارتفاع مشترياتها إلى زيادة الضغوط على الأسعار إذا تزامن مع نقص المعروض، على نحو ما أظهرته تطورات الربع الثاني من 2026، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
أما في سوق الغاز الطبيعي المسال، فإن ارتفاع مخزونات الصين قد يقلص حاجتها إلى الشحنات الفورية، ويتيح كميات أكبر للمستوردين الآخرين، فيما يمكن لزيادة الطلب الصيني على إعادة التخزين أن تعزز المنافسة على الإمدادات المتاحة، وفقاً لتحليل "رايستاد إنرجي" الذي أوردته "بلومبرغ".
وبذلك، لا يشكل تسارع النمو الصيني عاملاً موحداً لارتفاع أسعار الطاقة، بل تتباين آثاره بين الكهرباء والفحم والنفط والغاز، في وقت تتوقف فيه اتجاهات الأسواق العالمية على مدى قدرة الإنتاج والتجارة والمخزونات على الاستجابة لتحولات الطلب واضطرابات الإمدادات، وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
