تواجه أسواق الدين السيادي الفرنسي ضغوطاً متزايدة مع تصاعد المخاوف بشأن الأوضاع المالية والسياسية في البلاد، وسط احتجاجات شعبية على غلاء المعيشة وتحديات تواجه الحكومة في تمرير خطتها لضبط الموازنة العامة.

وتزيد هذه التطورات من قلق المستثمرين بشأن قدرة باريس على خفض العجز المالي، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تحركات عوائد السندات الفرنسية وتكلفة الاقتراض، إلى جانب تداعيات التوترات على سوق الأسهم والقطاع المصرفي.

وبحسب الأرقام الواردة في بيانات التداول، ارتفعت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات 4.84%– 4.89%، فيما اتسع الفارق بينها وبين السندات الألمانية المماثلة إلى 142– 145 نقطة أساس، مقارنة بـ137.4 نقطة أساس في نهاية الأسبوع الماضي.

ماكرون: فرنسا تدفع ثمن صراع لم تشارك فيه.. ومشاهد التخريب "مروعة" - موقع 24أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن رئيس الوزراء سيترأس، اعتباراً من يوم غد الإثنين، لجنة طوارئ لبحث تقديم المساعدات للتجار والحرفيين وأصحاب الأعمال المتضررين من أعمال الشغب، مؤكداً أنهم "لن يُتركوا وحدهم" في مواجهة الخسائر.

ويعكس اتساع الفارق ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون الفرنسية، مقارنة بالسندات الألمانية التي تُعد مرجعًا للاستقرار المالي في منطقة اليورو، ما يضع المالية العامة الفرنسية تحت مزيد من الضغوط، مع ارتفاع تكلفة تمويل الدين وإعادة إصداره.

وتأتي هذه التحركات في ظل احتجاجات واضطرابات عمالية شهدتها مدن فرنسية عدة، رفضاً لارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. 

كما تواجه الحكومة تحديًا في الموازنة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية وتنفيذ إجراءات مالية تستهدف توفير نحو 54 مليار يورو عبر خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات الضريبية.

وتسعى باريس إلى تقليص عجز الموازنة إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2027، وسط ضغوط أوروبية لتعزيز الانضباط المالي. غير أن التوجه نحو التقشف يهدد بتوسيع المواجهة مع النقابات والعمال، خصوصًا مع الدعوات إلى إضرابات وطنية خلال نوفمبر المقبل، بما قد يعرقل النشاط الاقتصادي ويزيد صعوبة تنفيذ الخطة الحكومية.

وامتدت الضغوط إلى سوق الأسهم، إذ تراجع مؤشر "كاك 40" الفرنسي 1.2% في التعاملات المبكرة، مع تعرض أسهم البنوك الكبرى، ومنها "بي إن بي باريبا" و"كريدي أجريكول" و"سوسيتيه جنرال"، لضغوط مرتبطة بانكشافها على الدين السيادي الفرنسي.

ويثير ذلك مخاوف من نشوء حلقة ضاغطة بين ارتفاع عوائد السندات وتراجع قيمة حيازات الدين، من جهة، وتأثر أداء المؤسسات المصرفية وتكلفة تمويلها، من جهة أخرى.

وتترقب الأسواق مراجعة وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني الفرنسي في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، وسط مخاوف من تعديل النظرة المستقبلية أو خفض التصنيف إذا تدهورت مؤشرات المالية العامة وتعثر تنفيذ خطة الموازنة.

كما يظل موقف البنك المركزي الأوروبي عاملاًَ مؤثراً في تحركات المستثمرين، إذ ترتبط احتمالات التدخل لدعم السندات بمدى توافر الشروط اللازمة، فيما يبقى ضبط المالية العامة واستعادة الثقة السياسية من أبرز التحديات أمام الحكومة الفرنسية.