ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 3%، للمرة الأولى منذ عام 1996، مقارنة بنحو 2% في يناير (كانون الثاني)، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية وتزايد احتياجات الحكومة التمويلية. وتواجه اليابان تحدياً في تأمين الطلب على إصدارات جديدة من السندات الحكومية بقيمة تناهز 120 مليار دولار (18.8 تريليون ين)، مع تغير سلوك المستثمرين وتراجع الدور الذي اضطلع به البنك المركزي في سوق الدين.

وأشارت مجلة "ذي إيكونوميست" إلى أن الحكومة اليابانية تسعى إلى توسيع قاعدة مشتري السندات، في وقت تتزايد فيه حساسية المستثمرين تجاه التضخم والعوائد الحقيقية، وتتغير فيه جاذبية الأصول اليابانية مع ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد في السوق المحلية.

التضخم يضغط على أسعار السندات

يعكس ارتفاع العوائد تحولاً في سوق السندات اليابانية بعد عقود من التضخم المنخفض والانكماش. فمع ارتفاع الأسعار، تتراجع القوة الشرائية للعوائد الثابتة التي توفرها السندات، ما يقلل جاذبيتها للمستثمرين إذا لم تكن عوائدها كافية لتعويض التضخم المتوقع.

وعندما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى، تنخفض أسعار السندات المتداولة في السوق الثانوية، إذ تتحرك الأسعار والعوائد في اتجاهين متعاكسين. وينعكس مستوى العوائد في السوق على كلفة الإصدارات الجديدة، إذ تضطر الحكومة إلى تقديم عائد يتناسب مع ظروف السوق لجذب المشترين.

وتزداد أهمية هذا التحول مع احتياجات الحكومة التمويلية، فارتفاع العوائد يزيد كلفة الاقتراض عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة. لكن تأثيره في كلفة خدمة الدين القائم يظهر تدريجياً، بحسب آجال استحقاق السندات وتوقيت إعادة التمويل.

عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات يسجل أعلى مستوى في 3 عقود - موقع 24ارتفع العائد على السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في ثلاثة عقود، مقترباً من مستوى 3% الذي تراقبه الأسواق عن كثب، في وقت يؤجج فيه ضعف الين المخاوف من التضخم، بينما يراهن المستثمرون على رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل.

تراجع دور البنك المركزي

يمثل تغير دور المشترين التقليديين أحد التحديات أمام سوق الدين اليابانية. إذ قلّص بنك اليابان مشترياته من السندات الحكومية ضمن مسار تقليص تدخله في السوق، بعد سنوات من شراء كميات كبيرة منها في إطار سياسته النقدية التيسيرية.

ويحدّ هذا التحول من حجم الطلب الذي كان يوفره البنك المركزي للسوق، لكنه لا يعني بالضرورة غياب المشترين المحليين. فارتفاع العوائد قد يعزز جاذبية السندات اليابانية لدى المؤسسات المالية، بما فيها شركات التأمين، التي تقارن بين العائد المتاح على السندات المحلية والبدائل الأجنبية.

وتتحدد قدرة السوق على استيعاب الإصدارات الجديدة وفق مستوى العوائد المعروضة، وتوقعات أسعار الفائدة والتضخم، ومدى استعداد المستثمرين لتحمل مخاطر تقلب أسعار السندات.

كيف تعيد السندات اليابانية رسم خريطة الأموال العالمية؟ - موقع 24​عقب 3 عقود من الانخفاض التاريخي لمعدلات الفائدة في اليابان، تعيش الأسواق المالية العالمية لحظة تحول فارقة، فالأموال الضخمة التي ظلت لعقود تغادر البنوك اليابانية بحثاً عن عوائد مجدية في أمريكا وأوروبا، لن تغادر طوكيو مجدداً، في مشهد يعيد تشكيل حركة تدفقات رؤوس الأموال عبر القارات.

مدخرات الأسر وصناديق التقاعد

تسعى الحكومة إلى توسيع قاعدة مشتري الدين الحكومي، بما في ذلك الأسر وصناديق التقاعد، في محاولة للاستفادة من المدخرات المحلية وتوفير مصادر طلب إضافية على السندات.

لكن تحويل مدخرات الأسر إلى استثمارات في الدين الحكومي ليس مضموناً، إذ يقارن الأفراد بين العوائد المتاحة على السندات والودائع والأسهم وغيرها من الأدوات الاستثمارية. كما تؤثر توقعات التضخم في العائد الحقيقي الذي يحققه المستثمر، وهو العائد بعد احتساب أثر ارتفاع الأسعار.

أما صناديق التقاعد، فتخضع قراراتها لأهداف استثمارية طويلة الأجل ومتطلبات إدارة المخاطر، ولا يعني احتياج الحكومة إلى التمويل أنها ستزيد مشترياتها من السندات تلقائياً.

المستثمرون الأجانب 

ارتفعت حصة المستثمرين الأجانب إلى 60% من إجمالي تداولات السندات الحكومية اليابانية في السوق الثانوية، مقارنة بـ36% في عام 2019. ولا تعني هذه النسبة أن الأجانب يمتلكون 60% من السندات الحكومية القائمة، بل تشير إلى حصتهم من عمليات البيع والشراء في السوق الثانوية، حيث يتداول المستثمرون السندات المصدرة سابقاً.

ويكتسب الطلب الأجنبي أهمية متزايدة مع تغير سلوك المستثمرين المحليين ودور البنك المركزي. وقد يسهم في تعزيز سيولة السوق، لكنه يجعل حركة التداولات أكثر ارتباطاً بتوقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة والاقتصاد الياباني والأسواق العالمية.