تواجه إيران واحدة من أعقد أزماتها المركبة منذ عقود، إذ باتت القيادة السياسية والعسكرية في طهران تتحرك فوق أرض شديدة الهشاشة نتيجة تضافر الضغوط الخارجية مع الاحتقان الداخلي.

ووفقاً للبيانات والمؤشرات الصادرة عن المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، يعيش الاقتصاد الإيراني حالة انكماش حاد فرضت على الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية  حالة استنفار قسري وتأهب قصوى غير معلنة.

ولا يعكس الاستنفار فقط الاستعداد لجولة مواجهة عسكرية محتملة مع واشنطن، بل يُعبر عن مخاوف عميقة ومتنامية داخل أروقة صناعة القرار الإيراني من انفجار الشارع مجدداً في ثورة واحتجاجات شعبية عارمة قد تعصف بالاستقرار الداخلي خلال الأشهر المقبلة نتيجة التدهور الحاد في مستويات المعيشة.

وتقرأ التقارير الإعلامية  التي نشرت في وقت سابق هذا المشهد باعتباره معضلة الكماشة الحقيقية، حيث أصبحت أعين قادة الحرس الثوري مجبرة على الانقسام بشكل يشتت جهودها بالكامل؛ فهناك عين تراقب بدقة خطوط التماس الخارجية ومستويات التصعيد الأمريكي المتوقع، وعين أخرى لا تفارق الجبهة الداخلية المرشحة للانفجار تحت وطأة العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي بلغت ذروتها.

العراق يغلق منفذاً حدودياً مع إيران لمراجعة الأمن ومنع التهريب - موقع 24قال مسؤول حدود عراقي، اليوم الأربعاء، إنه تم إغلاق منفذ الشيب الحدودي المزدحم مع إيران، وذلك لمراجعة الإجراءات الأمنية، وتركيب أجهزة كشف لمنع تهريب المواد المحظورة.

حصار شامل

ولم تعد العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران مجرد حزمة من القيود الدبلوماسية أو المالية التي يمكن الالتفاف عليها عبر شبكات التهريب التقليدية، بل تحولت إلى ما يشبه الحصار الشامل الذي ضرب العصب الحيوي للاقتصاد الإيراني وتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.

وتفيد أحدث التقارير الدورية الصادرة عن البنك الدولي بأن النشاط الاقتصادي في إيران تعرّض لخلل شديد  بسبب تضافر العقوبات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية.

وبحسب التقييمات الصادرة عن البنك، فإن إجمالي الناتج المحلي الإيراني شهد انكماشاً واضحاً، تزامناً مع احتجاجات وإضرابات واسعة النطاق، وانقطاعات متكررة في شبكات الإنترنت والاتصالات.

وأوضح البنك الدولي في مراجعاته الأخيرة، أن تكلفة النزاعات والاضطرابات في الإمدادات التجارية والتخوف من تعطيل صادرات النفط تفرض ضغوطاً مالية حادة جداً على الموازنة العامة للدولة.

من جانبه، وثق صندوق النقد الدولي في أحدث بياناته الاقتصادية لعام 2026 تراجعاً قياسياً خطيراً في المؤشرات الكلية، حيث توقع الصندوق انكماشاً حاداً في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران يصل إلى حوالي 7.6%.

ولم يتوقف الخلل الهيكلي عند حدود الانكماش، بل توازى مع قفزة كبيرة في معدلات التضخم وأسعار المستهلكين التي توقع الصندوق أن تبلغ حوالي 78.6%.

شلل القدرة الشرائية

وأدى  التدهور النقدي السريع والارتفاع الفلكي في الأسعار  إلى شلل كامل في القدرة الشرائية للمواطنين، وشمل السلع الغذائية الأساسية، والأدوية، والخدمات الطبية، مما جعل الطبقة الوسطى تنحدر بسرعة نحو خط الفقر وتزايد مخاطر الأمن الغذائي.

ولم تقتصر الآثار المدمرة عند هذا الحد، بل امتدت لتشل قطاعات خدمية واستراتيجية حساسة للغاية، حيث فرضت واشنطن عقوبات مشددة استهدفت قطاع الطيران الإيراني والشركات المرتبطة به بشكل مباشر.

ووفقاً لبيانات موثقة تداولتها أوساط ملاحية واقتصادية ، فإن العقوبات أدت إلى إلغاء واسع النطاق للرحلات الدولية من وإلى طهران، وعزل المسافرين والتجار الإيرانيين عن الأسواق العالمية، ما تسبب في خسائر فادحة لقطاع الأعمال والخدمات، ورفع تكاليف النقل والشحن إلى مستويات غير مقدورة للمواطن العادي، مما ضاعف من حالة العزلة والاشمئزاز الشعبي.

خنق أمني للمحافظات

وأمام  المشهد المعيشي القاتم والانسداد الاقتصادي، رصدت تقارير  صادرة عن مراكز أبحاث  غربية  تحركات مكثفة وغير اعتيادية للحرس الثوري في مختلف المحافظات الإيرانية.

وتندرج  التحركات تماماً تحت مفهوم الأمن الاستباقي أو الردع الوقائي، حيث تعتمد الخطة الأمنية الحالية لطهران  بالدرجة الأولى على محاولة خنق أي شرارة احتجاجية في مهدها قبل أن تتحول إلى لهيب شعبي يصعب السيطرة عليه بالوسائل التقليدية.

ويتجلى  السلوك الأمني الإيراني في إعادة تموضع واسعة النطاق لقوات الباسيج والحرس الثوري ونشرها في مراكز المدن الكبرى، وتكثيف التواجد الأمني وعناصر الاستخبارات في محيط الأسواق التاريخية والمناطق العمالية والصناعية التي تمثل عادةً وقود الاحتجاجات الفئوية والنقابية.

مواجهة أمنية مع المواطنين

وفي مؤشر واضح على أولويات النظام الحاكمة، كشفت  تقارير إعلامية عن رفع الإنفاق المخصص للأجهزة الأمنية والعسكرية بنسب كبيرة، بينما جرى في المقابل تخصيص زيادات ضئيلة للغاية للأجور والمعاشات لا تغطي سوى جزء بسيط من نسبة التضخم الحقيقية الموثقة في تقارير صندوق النقد الدولي، ما يوضح أن السلطة تستعد للمواجهة الأمنية مع مواطنيها بدلاً من معالجة الأزمة الاقتصادية الجسيمة.

ويتكامل  الحراك الميداني مع تأهب سيبراني رقمي غير مسبوق، عبر تشديد الرقابة على شبكات الإنترنت وملاحقة النشطاء الافتراضيين، حيث يرى الحرس الثوري أن الفضاء الرقمي هو غرفة العمليات الأساسية التي تُدار من خلالها الجماهير وتُنسق فيها التظاهرات.

استنزاف متواصل

وبينما يستنزف الداخل طاقات وموارد الأجهزة الأمنية، يجد الحرس الثوري نفسه في الوقت ذاته مجبراً على إبقاء جهوزيته العسكرية الخارجية عند أعلى مستوياتها لمواجهة الغموض المحيط بالسياسة الأمريكية.

فالقراءة التحليلية للموقف الأمريكي تشير إلى أن واشنطن تتبنى استراتيجية ضغط أقصى متجددة وأكثر شراسة، وهي استراتيجية لا تكتفي بالعقوبات الاقتصادية الخانقة بل تلوح باستمرار بالخيارات العسكرية وتوسيع رقعة الردع في عموم منطقة الشرق الأوسط.

وتتضاعف المخاوف الإيرانية من احتمال قيام واشنطن بشن ضربات خاطفة أو تفعيل عمليات سيبرانية تخريبية تستهدف منشآت حيوية مثل مرافق النفط أو المنشآت النووية.

ويفرض التهديد الخارجي الدائم  على الحرس الثوري، البقاء في حالة استنفار مستمر على مدار الساعة، ما يضع عبئاً لوجستياً وعملياتياً هائلاً على كاهل القيادة العسكرية التي باتت مشتتة ومجبرة على توزيع مقدراتها وقواتها النخبوية بين جبهة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات الصدامية، وجبهة داخلية محقونة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

وتظهر المتابعة  المتواصلة للمؤشرات الميدانية ، أن "الوضع الراهن في إيران يختلف نوعياً وبشكل جوهري عن الفترات السابقة"، فالأزمة الحالية تتميز بتداخل العوامل والضغوط الاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مسبوق يجعل من الصعب تفكيكها.

وينجح  تكتيك التخويف وبث الذعر الذي يمارسه الحرس الثوري عبر رفع حالة التأهب وعرض القوة في الشوارع  في تأجيل الانفجار الشعبي لبعض الوقت، لكنه لن يمنعه على المدى الطويل، لأن الجوع والفقر وانعدام الأفق الاقتصادي، خصوصاً مع بلوغ التضخم حاجز 78% وفق أرقام صندوق النقد، يخلق حالة من اليأس الجماعي لدى المواطنين.

الخيارت المرة

و يتضح من خلال الحقائق السابقة ،خطورة المرحلة الحالية في إيران ، حيث تنحصر خيارات النظام الإيراني في مسارات معقدة كلها تتسم بالمرارة والخطورة العالية. فقد يمضي النظام في مسار الانكفاء الأمني المطلق وتفعيل القبضة الحديدية دون التفات للكلفة الحقوقية أو العزلة الدبلوماسية، معتبراً أن الحفاظ على بقاء هيكل السلطة يتقدم على أي اعتبار آخر.

وفي المقابل، تبرز خطورة خيار الهروب إلى الأمام عبر التصعيد الخارجي، فقد تلجأ طهران إلى تحريك بعض أوراقها أو افتعال مناوشات بحرية في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز لإعادة توجيه الأنظار وتصدير الأزمة الداخلية نحو الخارج تحت شعارات التعبئة القومية، وهي مناورة بات الشارع الإيراني يدرك أبعادها بدقة ولم تعد تنطلي عليه بسهولة كما في السابق.

وتؤكد كافة المعطيات المستقاة من المؤشرات المالية الدولية والقراءات التحليلية أن إيران تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي وبالغ الحرج.

إن تشتت أعين الحرس الثوري الإيراني بين ترقب الضربات الخارجية ومراقبة غليان المرجل الداخلي، يعكس عمق المأزق البنيوي للنظام، فالأشهر المقبلة لن تكون مجرد اختبار للقدرة الاقتصادية للنظام على الصمود في وجه العقوبات الأمريكية المتصاعدة، بل ستكون اختباراً حاسماً ونهائياً لمدى تماسك وقدرة القبضة الأمنية والعسكرية على الصمود في مواجهة حراك شعبي يغذيه انهيار معيشي يلامس لقمة العيش اليومية  للمواطن.