تسرّع الصين استثماراتها في البحث العلمي والتكنولوجيا بهدف تعزيز موقعها في مواجهة الولايات المتحدة، مستهدفة زيادة الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة لا تقل عن 7% سنوياً حتى عام 2030.

مع الانتقال إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي، توسعت الصين في تمويل البحث العلمي، لترتفع نفقات البحث والتطوير 100 مرة خلال العقود الثلاثة الماضية، فيما تجاوز متوسط نمو الإنفاق السنوي 10% خلال السنوات العشر الأخيرة.

ورصدت مجلة "نيتشر" في تقرير لها التغير الكبير في موقع الصين على خريطة البحث العلمي العالمي، حيث انتقلت خلال أقل من خمسة عقود من مشاركة محدودة في الأبحاث الدولية إلى منافس قوي للمؤسسات الغربية في الإنتاج العلمي وبراءات الاختراع وتطوير التقنيات المتقدمة.

في المقابل، تعاني الولايات المتحدة ضغوطاً مع سعي إدارة دونالد ترامب إلى خفض التمويل العلمي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل المنافسة التكنولوجية بين البلدين.

كيف بنت الصين قوتها العلمية؟

عندما بدأت الصين انفتاحها على العالم عام 1978، كان حضورها في النشر العلمي الدولي محدوداً للغاية، لدرجة أن عدد المقالات التي نشرها باحثون صينيون في المجلات الدولية لم يزد عن 120 مقالاً، بما يعادل 0.02% من الإجمالي العالمي، وفق قاعدة بيانات "سكوبس" التابعة لشركة "إلسيفير".

لكن مع الانتقال إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي، توسعت الصين في تمويل البحث العلمي، لترتفع نفقات البحث والتطوير 100 مرة خلال العقود الثلاثة الماضية، فيما تجاوز متوسط نمو الإنفاق السنوي 10% خلال السنوات العشر الأخيرة، بحسب الإحصاءات الحكومية الصينية.

كما أصبحت الصين من أبرز الدول في تسجيل طلبات براءات الاختراع والبحث في تقنيات استراتيجية، من بينها الطاقة النووية والبيولوجيا التركيبية.

وصعدت جامعاتها ومؤسساتها البحثية إلى منافسة المؤسسات الغربية التقليدية، وتصدّرت للمرة الأولى تصنيف "نيتشر إندكس" للإنتاج البحثي.

نمو الصين يختبر أسواق الطاقة.. هل يقود تعافي ثاني اقتصاد بالعالم إلى ارتفاع النفط والغاز؟ - موقع 24يعيد تسارع نمو الاقتصاد الصيني، تشكيل توقعات الطلب العالمي على الطاقة، وسط تباين واضح بين ارتفاع استهلاك الكهرباء والفحم وتراجع الطلب على النفط..

صدارة صينية بحسابات مختلفة

استناداً إلى حسابات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024، تصدّرت الصين الإنفاق العالمي على البحث والتطوير متجاوزة الولايات المتحدة، عند احتساب الإنفاق وفق مقياس تعادل القوة الشرائية، الذي يأخذ في الاعتبار اختلاف مستويات الأسعار بين البلدين.

لكن عند تحويل الإنفاق باستخدام أسعار الصرف تبدو الصورة مختلفة، حيث بلغ الإنفاق الصيني في 2024 نصف نظيره الأمريكي، بعدما كان لا يتجاوز 8% منه في 2004، وفق بيانات المنظمة.

ويؤشر ذلك إلى أن الصين قلّصت الفجوة مع الولايات المتحدة بصورة كبيرة خلال عقدين، لكن ترتيب البلدين يتأثر بطريقة احتساب الإنفاق. 

كما أن حجم التمويل، حتى عند تصدّره المؤشرات، لا يكفي وحده للحكم على مستوى التقدم العلمي أو قدرة كل دولة على تحويل الأبحاث إلى منتجات وتقنيات ذات قيمة اقتصادية.

وفي ظل استمرار الصين في زيادة الإنفاق حتى نهاية العقد، يُتوقع أن تضخ استثمارات إضافية بمليارات الدولارات سنوياً، من القطاعين العام والخاص، وهو ما يوسع الموارد المتاحة لتطوير التقنيات الجديدة وتعزيز القدرات البحثية المحلية.

بحصة 96% عالمياً.. 4 شركات صينية تكتسح سوق الطابعات ثلاثية الأبعاد - موقع 24قفزت حصة الصين من السوق العالمية للطابعات ثلاثية الأبعاد الموجهة للهواة من 19% قبل عقد إلى 96% حالياً، فيما نمت صادراتها من هذه الأجهزة بنسبة 90% خلال النصف الأول من عام 2026..

سباق الإنفاق بين بكين وواشنطن

على الجانب الآخر، تواجه الولايات المتحدة مخاوف من أن يؤدي خفض التمويل العلمي الذي تسعى إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إضعاف قدرات المؤسسات البحثية، في وقت تتوسع فيه الاستثمارات الصينية. 

ويضع ذلك سياسات تمويل العلوم في البلدين أمام اختبار حتمي، لا سيما في المجالات التي تتطلب إنفاقاً طويل الأجل قبل الوصول إلى نتائج قابلة للتطبيق.

غير أن الصعود العلمي للصين يواجه تحديات داخلية تحاول الحكومة معالجتها منذ أكثر من عقد، حيث يرى منتقدون أن التسارع الكبير في النشر البحثي أدى إلى انتشار مخالفات تمس النزاهة العلمية. 

وتفاقمت المخاوف مع وفاة شخصين في تجارب سريرية العام الماضي، ما فتح باب التساؤلات حول مدى كفاية الضوابط التنظيمية والأخلاقية للتجارب الطبية المتقدمة.

لذلك تتوقف قدرة الصين على ترجمة تقدمها البحثي إلى نفوذ اقتصادي وتكنولوجي أوسع على استمرار التمويل، وجودة الأبحاث، ونجاحها في تحويل النتائج العلمية إلى تطبيقات عملية.

في المقابل، ستتأثر قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها بمدى استمرار دعم مؤسساتها البحثية وقدرتها على المنافسة في التقنيات المتقدمة.