أبقت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، الجمعة، على تصنيف فرنسا عند مستوى "Aa3" مع نظرة مستقبلية سلبية، متجنبة خفض تصنيف ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، في خطوة تخفف الضغوط على الحكومة الفرنسية التي تواجه احتجاجات اجتماعية متصاعدة، وتحديات متزايدة لضبط أوضاعها المالية.
وأعلنت الوكالة انتهاء مراجعتها الدورية للتصنيف الائتماني الفرنسي دون إجراء أي تعديل، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية السلبية المعتمدة منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.
وكانت أسواق السندات تتوقع خفض التصنيف، بما يتماشى مع قرارات سابقة لوكالتي "ستاندرد آند بورز" و"فيتش"، في ظل الصعوبات التي تواجهها فرنسا للسيطرة على ماليتها العامة، منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024، التي أسفرت عن برلمان منقسم وحالة من الجمود السياسي.
ورأت وزارة المالية الفرنسية، في بيان، أن إبقاء "موديز" على التصنيف دون تغيير يعكس "مصداقية الموازنة التي قدمتها الحكومة في مشروع قانون المالية لعام 2027، والهادفة إلى إعادة المالية العامة إلى مسار التعافي".
موازنة 2027 أمام اختبار البرلمان
تواجه الحكومة الفرنسية صعوبات في تمرير مشروع موازنة 2027 داخل البرلمان، وسط احتمال رفض أحزاب المعارضة التوصل إلى تسوية، ما قد يؤدي إلى إسقاط التشريع، وربما الإطاحة بالحكومة عبر تصويت بحجب الثقة.
وأكدت "موديز" أن تصنيف "Aa3" يستند إلى افتراض إقرار موازنة تستهدف خفض العجز في 2027، إلى جانب تراجع تكاليف التمويل والتوترات الاجتماعية نسبياً خلال الأشهر المقبلة.
وتستهدف الحكومة خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2027، مقارنة بـ5.4% خلال العام الحالي، إلا أن الجمعية الوطنية ألغت بعض إجراءات التوفير الرئيسية الواردة في المشروع، فيما أبدت أحزاب المعارضة استعداداً محدوداً للتوصل إلى تسويات قبل الانتخابات الرئاسية.
وشملت التعديلات البرلمانية إلغاء بعض التخفيضات المقترحة في الإنفاق، مقابل إضافة نفقات جديدة، ما يزيد صعوبة تحقيق أهداف الحكومة المالية.

تكاليف الاقتراض عند أعلى مستوياتها منذ 2002
تتجاوز تكاليف اقتراض فرنسا بالفعل نظيرتها في دول ذات تصنيف ائتماني أقل، مثل إيطاليا، مع تصاعد قلق المستثمرين بشأن عجز الموازنة الفرنسية، الذي يُعد من الأكبر في منطقة اليورو.
وتزداد المخاوف مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل (نيسان) و2 مايو (أيار) 2027، والتي تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوز اليمين المتطرف فيها.
وساهمت مشاهد الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وتحول بعضها إلى أعمال شغب ونهب، في إبراز الصعوبات السياسية التي تواجه الحكومة لتمرير إجراءات خفض الإنفاق.
ودفعت هذه التطورات علاوة المخاطر على الديون الحكومية الفرنسية، مقارنة بالسندات الألمانية التي تُعد ملاذاً آمناً، إلى أعلى مستوياتها منذ 15 عاماً، فيما ارتفع العائد على السندات الفرنسية القياسية لأجل 10 سنوات إلى 5.14%، مسجلاً أعلى مستوى منذ يوليو (تموز) 2002.
الاحتجاجات تزيد الضغوط
كانت "موديز" قد أكدت مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أن قدرة الحكومة الفرنسية على تجاوز حالة الانقسام داخل البرلمان، ستكون العامل الرئيسي في تحديد قرارها المقبل بشأن التصنيف الائتماني.
غير أن هذه المهمة أصبحت أكثر تعقيداً بعد تصاعد الاحتجاجات التي بدأت اعتراضاً على نقص التمويل في المدارس، وتحولت خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي إلى أعمال شغب رافقت مظاهرات واسعة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة.
ورفضت الحكومة تخصيص تمويل إضافي للمدارس أو رفع الحد الأدنى للأجور، في وقت تستعد فيه البلاد لموجة جديدة من الاحتجاجات، اليوم السبت.

مخاوف من خفض التصنيف إلى مستويات أكثر خطورة
قال رشاب أمين، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة "أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس"، إن المستثمرين يفضلون انتظار تطور المشهد السياسي خلال الأشهر الستة المقبلة وحتى الانتخابات الرئاسية، موضحاً أن هذه التطورات ستكون أكثر تأثيراً في فروق عوائد السندات الفرنسية.
من جانبه، حذر مايك بيل، رئيس استراتيجية الأسواق في شركة "آر بي سي بلو باي" لإدارة الأصول، من احتمال تصاعد الضغوط على الديون الفرنسية بعد الانتخابات الرئاسية، إذا أقدمت وكالات "موديز" و"ستاندرد آند بورز" و"فيتش" جميعها على خفض تصنيف فرنسا إلى مستوى "BBB"، الذي يقع مباشرة فوق فئة السندات عالية المخاطر.
وأوضح أن الوصول إلى هذا المستوى قد يدفع بعض المستثمرين، الذين تفرض سياساتهم الاستثمارية حدوداً دنيا للتصنيفات الائتمانية، إلى بيع السندات الفرنسية، ما يزيد الضغوط على سوق الدين ويرفع تكاليف التمويل. وأضاف محذراً: "عند هذه النقطة قد تبدأ الأمور في التدهور بصورة أكبر".