تشكّل الشركات العائلية أحد مكونات القطاع الخاص ومحركات النشاط الاقتصادي، بفضل مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وتوليد فرص العمل، وتوجيه الاستثمارات، وتوسيع القاعدة الإنتاجية. ويمنحها امتدادها عبر قطاعات متعددة وقدرتها على إعادة استثمار الأرباح دوراً في تراكم رأس المال واستدامة النشاط التجاري. لكن الحفاظ على هذا الثقل الاقتصادي يتوقف أيضاً على قدرتها على إدارة انتقال الملكية والقيادة بين الأجيال، وتطوير هياكل الحوكمة بما يدعم استمرارية الأعمال والتوسع في الأسواق.

في الإمارات، تسهم الشركات العائلية بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر أكثر من 80% من فرص العمل، وتمثل قرابة 90% من شركات القطاع الخاص، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والسياحة  في نوفمبر(تشرين الثاني) 2025.

إطار تشريعي لاستمرارية الأعمال

وفي إطار تنظيم القطاع وتعزيز استدامته، طورت وزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية، بالتعاون مع الجهات الحكومية المعنية وممثلي القطاع الخاص والشركات العائلية، إطاراً تشريعياً لحوكمة الشركات العائلية وتنظيم شؤون الملكية وانتقال الأعمال بين الأجيال، يتمثل في المرسوم بقانون اتحادي رقم (37) لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية.

وأوضحت الوزارة أن الإطار تبعته 4 قرارات وزارية تتناول إنشاء السجل الموحد للشركات العائلية، وإيداع ميثاق العائلة، وشراء الشركة العائلية حصصها، وإصدار فئات متعددة من الحصص. وتوفر هذه الأدوات آليات لتنظيم الملكية وتعزيز الحوكمة وإدارة شؤون الشركات، بما يدعم استمرارية الأعمال وتطورها.

وفي هذا السياق، تستضيف أبوظبي يومي 28 و29 أكتوبر(تشرين الأول) الحالي قمة فوربس الشرق الأوسط للشركات العائلية، لمناقشة قضايا الحوكمة والتعاقب القيادي والتحول في الأعمال والتوسع الدولي، بمشاركة شركات عائلية ومستثمرين وخبراء وصناع سياسات، وفق الموقع الرسمي للقمة.

ثقل اقتصادي في السعودية ومصر

وفي السعودية، تمثل الشركات العائلية نحو 95% من الشركات في المملكة، بواقع قرابة 633 ألف منشأة، وتسهم بنحو 27% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوظف ما يقارب نصف القوى العاملة، بحسب مقال نشرته كلية إنسياد في نوفمبر 2025، استناداً إلى بيانات المركز الوطني للمنشآت العائلية.

أما في مصر، أفادت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة بأن الشركات العائلية تمثل نحو 45% من الشركات المصرية، فيما لا تتجاوز نسبة الشركات التي تستمر حتى الجيل الثالث 3%، وفق بيانات  الهيئة في يونيو(حزيران) 2026.

حضور عالمي وإيرادات تريليونية

وعلى المستوى العالمي، سجلت أكبر 500 شركة عائلية إيرادات مجمعة 8.8 تريليون دولار في 2025، بزيادة 10% مقارنة بعام 2023، فيما بلغ عدد العاملين لديها 25.1 مليون شخص في 44 دولة وإقليماً، وفق مؤشر الشركات العائلية العالمي لعام 2025، الصادر عن جامعة سانت غالن بالتعاون مع "إي واي".

انتقال القيادة تحت الاختبار

ويمثل انتقال القيادة أحد أبرز التحديات أمام استمرارية الشركات العائلية، خصوصاً مع توسع أعمالها وتعقّد هياكلها الإدارية، ووفق دراسة عالمية لـ"ديلويت" حول تعاقب القيادة في الشركات العائلية، نُشرت في يوليو (تموز) 2026، وشملت 1587 شركة في 35 دولة، بإيرادات سنوية لا تقل عن 100 مليون دولار، تواجه 40% من الشركات المشاركة انتقالاً قيادياً حالياً أو تتوقع مواجهته خلال السنوات العشر المقبلة.

وحدد 35% من المشاركين عدم جاهزية الجيل التالي أو افتقاره إلى الخبرة ضمن أبرز معوقات الخلافة، فيما أشار 33% إلى صعوبة اختيار الخلف المناسب، و32% إلى تردد القيادة الحالية في التنحي. كذلك، تتجه نسبة الشركات التي تعتزم تعيين رئيس تنفيذي من خارج العائلة إلى الارتفاع من 13% إلى 26%، وفق الدراسة.

وتبرز هذه النتائج أن الخلافة لا تقتصر على نقل الملكية، بل تشمل إعداد القيادات وتوزيع المسؤوليات وتطوير الإدارة، بما يدعم استمرارية الأعمال خلال مرحلة الانتقال.

الاستمرارية لا تعني بقاء الملكية العائلية

يرى أحمد عبدالكريم، الخبير الاقتصادي وصاحب مكتب "Ideal Accounting Solution" لتدقيق حسابات الشركات، أن استمرارية الشركات العائلية ترتبط بمدى استعدادها المؤسسي لانتقال القيادة، وليس بمجرد توافر جيل جديد قادر على إدارة الأعمال. ويستند في ذلك إلى دراسة لجامعة ولاية أوريغون تناولت شركات صناعية عائلية في ولاية إلينوي الأمريكية، وميّزت بين استمرار الشركة في السوق وبقاء ملكيتها وسيطرتها في يد العائلة؛ فاستمرار النشاط التجاري لا يعني بالضرورة استمرار الملكية العائلية.

فجوة بين الثقة بالقيادة والاستعداد للخلافة

ويلفت عبدالكريم إلى التباين بين ثقة الجيل التالي بقدراته القيادية والاستعداد الفعلي لتسليم الإدارة؛ إذ أظهرت دراسة "لومبارد أودييه" لعام 2025 أن 93% من المشاركين من الجيل التالي يثقون بقدرتهم على القيادة، مقابل 18% فقط من الشركات العائلية المشمولة بالدراسة لديها خطة شاملة ومكتوبة لتعاقب القيادة.

ويؤكد أن معالجة هذه الفجوة تتطلب التخطيط المبكر للخلافة، من خلال تحديد معايير اختيار القيادات الجديدة وجدول انتقال المسؤوليات، بما يحد من مخاطر التعثر عند تغيير القيادة.

ويشدد عبدالكريم على دور الحوكمة في الحد من مخاطر انتقال القيادة، عبر تحديد الصلاحيات، والفصل بين الملكية والإدارة، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار وتسوية النزاعات. ووفق تقرير "كي بي إم جي" العالمي للشركات العائلية لعام 2025، تمتلك 67% من الشركات العائلية ذات الأداء المرتفع مجالس إدارة رسمية.