تجد القطاعات المصرفية في الولايات المتحدة نفسها مجدداً أمام خيارات أحلاها مرّ، مع عودة الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة الأمريكية ليعيد تذكير "وول ستريت" بآلام لم تتلاشَ بعد؛ فهل تتحمل البنوك كلفة البيع الفوري بخسائر مليارية، أم تنتظر استحقاق الأوراق المالية متحملة ضغوطاً متزايدة على ميزانياتها العمومية؟
المشكلة أن كلا الخيارين لا يخلو من ثمن باهظ؛ فخيار البيع يعني الخروج بخسارة مالية مباشرة تؤثر على نتائج الأعمال الحالية، بينما يعني خيار الانتظار استمرار الضغط على الميزانيات العمومية، ما يضعف مؤشرات القوة المالية للبنوك ويُحجم قدرتها على توزيع الأرباح أو إعادة شراء الأسهم من المساهمين.
وفي هذا السياق، يوضح برايان مولبري، كبير استراتيجيي السوق في شركة "زاكس لإدارة الاستثمارات، أن "استمرار أسعار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة، أو استمرار ارتفاع العوائد على الأجل الطويل، من شأنه أن يطيل أمد هذه الضغوط، ما يلقي بظلاله الثقيلة على حقوق الملكية الملموسة، بل وعلى رأس المال التنظيمي لبعض البنوك".
خسائر معلقة
ولتفسير أصل هذه الأزمة، لابد من النظر إلى الآلية المحاسبية التي تعتمدها البنوك؛ إذ تُسجل التغيرات في قيمة السندات القابلة للبيع تحت بند يُعرف بـ "الدخل الشامل الآخر المتراكم (AOCI)"، وهذا البند يعكس حجم الأرباح أو الخسائر التي لم تُحقق بعد من خلال عملية بيع فعلية.
ورغم أن هذا البند شهد بعض التحسن مقارنة بمستويات عام 2023، إلا أن بيانات مؤسسة "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس" تشير إلى أنه ظل يتخبط في المساحة السلبية بقيمة 156.64 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام.
لكن المشهد زاد تعقيداً بعد ذلك؛ إذ شهد الربع الثالث ارتفاعاً هو الأسرع منذ 1994 في عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، وهو المقياس الأساسي لتكاليف الاقتراض عالمياً ما ينبئ بتعميق جراح الخسائر الدفترية لدى البنوك.
وكان بنك "أوف أمريكا" من أبرز الشواهد على هذه الأزمة، حيث تضخمت خسائره الشاملة المتراكمة بأكثر من 3 مليارات دولار خلال الربع الثالث المنتهي في سبتمبر مقارنة بالربع السابق، لتصل إجمالي الخسائر غير المحققة في محفظة سنداته إلى 109 مليارات دولار؛ علماً بأن معظم هذه الأوراق تقع ضمن فئة "الأصول المحتفَظ بها حتى الاستحقاق"، والتي لا يستهدف البنك بيعها أصلاً.
المعادلة الصعبة: البيع الآن أم الانتظار؟
العلاقة بين أسعار السندات وعوائدها "عكسية" بطبيعتها؛ فكلما ارتفعت العوائد تراجعت القيمة السوقية للسندات القائمة، ما يعمق الخسائر الدفترية المنعكسة في قوائم البنوك.
وهنا يرى بعض الخبراء أن الخروج الفوري ربما يكون الخيار الأقل ضرراً. وفي هذا الإطار يعلق ماكراي سايكس، مدير المحافظ في صندوق "جابيللي فاندز"، قائلاً: "في ظل التحركات الحالية لأسعار الفائدة، قد يكون من الحكم بمكان تحمّل الخسارة الآن، وإعادة إعطاء تلك السيولة بعوائد أعلى؛ فهذا المسار من شأنه تعزيز التدفقات النقدية وتوليد رأس المال على المدى البعيد".
ولا زالت الذاكرة المصرفية القريبة تستحضر انهيار بنك "سيليكون فالي" عام 2023، والذي كان للجمع بين الخسائر الفادحة في محفظة السندات والهروب الجماعي للودائع دورٌ رئيسي في إسقاطه. ورغم أن البنوك عملت منذ ذلك الحين على تقليل حجم انكشافها، إلا أن القفزة الأخيرة في العوائد تثبت أن القرارات الاستثمارية التي اتُّخذت قبل سنوات لا تزال تطارد أصحابها.
ومن جانبه، يضيف برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في "أنكس ويلث مانجمنت قائلأ: "يجب على البنك أن يكون مستعداً لترسيم الخسارة وبيع السندات، بشرط أن تكون العوائد المتوقعة من الأصول الجديدة كافية لتعويض تلك الخسائر خلال مدى زمني معقول".