هل يمكن لشركة تسجيل نتيجة مالية معينة في دفاترها على أنها أرباح، بينما يمكن لشركة أخرى تعنيها تلك النتائج استبعادها من الدفاتر لأنها خسائر؟ هذا ما فعلته أمازون والفابت من جانب وأنثروبيك من جانب آخر، ليكشف لعبة "الأرباح المعدلة" التي تمارسها شركات وول ستريت كممارسة محاسبية معقدة، بغرض "تجميل" النتائج.
في النصف الأول من العام الجاري، تكبدت شركة أنثروبيك، عملاق الذكاء الاصطناعي، خسائر صافية بلغت 80.7 مليار دولار، وفي الجانب المقابل من السجلات المالية، حققت شركتا "أمازون"، عملاق التجارة الإلكترونية، و"ألفابت"، الشركة الأم لـ"غوغل"، مكاسب دفترية كبيرة بفضل بعض صفقات التمويل ذاتها.
ويطرح هذا الأمر تساؤلاً شائكاً في الوقت الذي تستعد فيه "أنثروبيك" لطرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي، ربما بحلول منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: هل ينبغي احتساب مثل هذه المكاسب والخسائر ضمن مقاييس الأرباح البديلة التي يروج لها محللو الأسهم في "وول ستريت" على نطاق واسع؟.
وبالنسبة لشركتي "أمازون" و"ألفابت"، تُحتسب هذه المكاسب، أما في حالة "أنثروبيك"، فلا تُحتسب الخسائر المقابلة لها، أو على الأقل لا تظهر ضمن أرقام الأرباح "المعدلة" التي تعلن عنها الشركة.
وتعد التقارير الخاصة بالنتائج المعدلة بمثابة أدوات "تحليلية وتسويقية وإدارية" توزع على محللي الأسهم ووسائل الإعلام، بينما تعد التقارير المحاسبية الدقيقة والثابتة هي "اللغة الرسمية والإلزامية" للشركة أمام القانون والجهات التنفيذية، وتُقدم رسمياً للجهات التنظيمية وهيئات الأسواق المالية مثل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، أو هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات (SCA)، أو سوق أبوظبي العالمي (ADGM).
"وول ستريت" تراهن على عودة الديمقراطيين لتخفيف القيود الرأسمالية - موقع 24تستعد بنوك "وول ستريت" لتحقيق مكاسب تنظيمية كبيرة في ظل توجهات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها تسعى إلى تأمين دعم الحزب الديمقراطي للتعديلات المقترحة على قواعد رأس المال المصرفي، لضمان استمرارها على المدى الطويل وصعوبة التراجع عنها مستقبلاً.
وتستعين الشركات بالنتائج المعدلة في حالات محددة مثل وجود بنود غير متكررة تؤثر على الأرقام النهائية المحاسبية، لكنها لا تعبر بدقة عن الأداء اليومي والتشغيلي للشركة.
وقد نتجت خسائر "أنثروبيك" بشكل رئيسي عن إعادة تقييم قيمة الالتزامات المدرجة في ميزانيتها العمومية، وهي عملية تؤدي إلى تسجيل خسائر في قائمة الدخل، تماماً كما يحدث عند خفض قيمة أحد الأصول. وشملت هذه الالتزامات سندات إذنية قابلة للتحويل، تعود إلى جولات التمويل المبكرة للشركة المطورة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتُعد هذه السندات القابلة للتحويل، في جوهرها، قروضاً تتحول إلى أسهم في الشركة بدلاً من سداد قيمتها نقداً.
ومع ارتفاع القيمة السوقية لشركة "أنثروبيك" بشكل كبير، ارتفعت أيضاً قيمة هذه السندات. وأسفر هذا الصعود عن تكبد "أنثروبيك" لخسائر كبيرة "غير نقدية"، بينما حقق مستثمروها بما في ذلك "أمازون" و"ألفابت"، مكاسب ضخمة ناتجة عن إعادة تقييم هذه الاستثمارات وفقاً لقيمتها السوقية الحالية.
وتعتبر هذه المكاسب والخسائر غير المحققة جزءاً من صافي الدخل وفقاً للمبادئ المحاسبية المقبولة عموماً، وأدرج المحللون الذين يتابعون أمازون وألفابت هذه المكاسب ضمن مؤشرات "أرباح السوق" المتفق عليها، على الرغم من أن تقييمات هذه الشركات متقلبة ولا ترتبط بالأداء التشغيلي الأساسي للشركتين.
لعبة الأرباح
تعرف أرباح السوق بأنها أي مقياس للأرباح يتبناه أغلبية المحللين الذين يغطون شركة ما، سواءً كان متوافقاً مع مبادئ المحاسبة المقبولة عموماً أو غير متوافق معها. ولا يوجد معيار موحد يحكم هذه الأرقام. وتدرج هذه الأرقام بدورها ضمن بيانات الأرباح الأكثر شيوعاً لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشرات أخرى، وبناءً على البنود التي يستبعدها المحللون أو لا يستبعدونها، قد يبدو سوق الأسهم مقيماً بشكل معقول أو باهظ الثمن بشكل مبالغ فيه.
وتُعدّ لعبة أرباح وول ستريت تقليداً عريقاً أدى إلى ارتباك واسع النطاق لدى المستثمرين، فالمحللون الذين يتابعون أداء الشركات في تحقيق الأرباح المتوقعة أو عدم تحقيقها، يستبعدون بشكل روتيني التكاليف المتكررة مثل توزيع أسهم كرواتب، إذا ما وجهتهم الإدارة بذلك، لكن عندما تحقق شركة ما مكاسب غير متوقعة في ميزانيتها العمومية، غالباً ما يفضل المحللون إبقاء هذه المكاسب ضمن صافي الأرباح، وهو ما حدث في حالة أمازون وألفابت.
وقد تباينت ممارسات استبعاد أو الاحتفاظ بمثل هذه المكاسب والخسائر بين أكبر شركات التكنولوجيا، فعلى سبيل المثال، تشير شركة إنفيديا إلى أرقام معدلة تستبعد مكاسب الاستثمار غير المحققة، وقد تبنى المحللون الذين يغطون أخبار هذه الشركة المصنعة للرقائق هذا النهج.
أنثروبيك تكشف تجسساً صينياً وإيرانياً بالذكاء الاصطناعي - موقع 24أعلنت شركة أنثروبيك أنها أغلقت عمليات تجسس عدة برعاية دول استخدمت نماذجها للذكاء الاصطناعي للمراقبة، محذرة من أن حكومات وجهات مرتبطة بها تستخدم هذه التكنولوجبا بشكل متزايد للتجسس على أقليات ومعارضين سياسيين.
ووجهت شركة "أنثروبيك" المستثمرين إلى استخدام مقياس غير معياري يُعرف بـ "صافي الدخل المُعدَّل"، ووفقاً لهذا المقياس، حققت الشركة ربحاً قدره 2.7 مليار دولار في النصف الأول من العام، بدلاً من تسجيل صافي خسارة بلغ 80.7 مليار دولار.
وقد نتج نحو 72 مليار دولار من هذه الخسائر المستبعدة عن إعادة تقييم التزامات متنوعة، بما في ذلك السندات القابلة للتحويل وفقاً لقيمتها السوقية.
ويمكن القول إن استبعاد هذه الخسائر أمر منطقي، نظراً لأنها لا تعكس طبيعة العمليات التشغيلية الجارية للشركة، ولكن إذا كان هذا الطرح صحيحاً، فينبغي على المحللين الذين يتابعون شركتي "أمازون" و"ألفابت" استبعاد المكاسب المقابلة الناتجة عن بنود مماثلة عند تقييم أرباح هاتين الشركتين.
ولم تقتصر استبعادات "أنثروبيك" على ذلك فحسب، فمن أجل الوصول إلى رقم "صافي الدخل المُعدَّل" البالغ 2.7 مليار دولار، استبعدت الشركة أيضاً نحو 9 مليارات دولار كخسائر ناتجة عن إعادة تقييم أدوات مالية أخرى وفقاً لقيمتها السوقية، بالإضافة إلى ملياري دولار تمثل نفقات التعويضات القائمة على الأسهم.
ازدواجية المعايير
في المقابل، حققت أمازون خلال النصف الأول من العام أرباحاً بلغت حوالي 63 مليار دولار من استثماراتها في أسهم شركات خاصة، معظمها من شركة أنثروبيك، وشكلت هذه الأرباح غالبية أرباح أمازون قبل الضرائب.
وبدأت حصة أمازون في هذه الأسهم على شكل سندات قابلة للتحويل، تحول بعضها إلى أسهم ممتازة. كما اشترت أمازون أسهما ممتازة مباشرةً.
وفي حال إتمام طرح أنثروبيك للاكتتاب العام، ستتحول هذه السندات إلى أسهم عادية، ما ينهي تعديلات الالتزامات المتعلقة بتقييم الأسهم وفقاً للقيمة السوقية في دفاتر أنثروبيك، حتى مع استمرار أمازون وألفابت في تقييم الأسهم وفقاً لقيمتها السوقية.
ومن جانبها، سجلت ألفابت أرباحاً صافية بلغت حوالي 136 مليار دولار من استثماراتها في الأسهم خلال النصف الأول من العام، وشكلت هذه الأرباح غالبية أرباحها قبل الضرائب، لكنها لم تُحدد مقدار الأرباح المرتبطة بأنثروبيك.
وخلال الربع الثاني وحده، مثلت هذه الأرباح في هاتين الشركتين حوالي 15% من أرباح مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وفقاً لتحليل أجرته صحيفة وول ستريت جورنال.
وبمجرد طرح أسهم شركة أنثروبيك للاكتتاب العام، سيتجاهل المحللون، كما هو متوقع، خسائر القيمة العادلة، ويركزون على مسار الشركة المستقبلي، ولن ينظر معظم المستثمرين إلى الوراء أيضاً.
ومع ذلك، فإن هذا التباين في المعاملة يسلط الضوء على ازدواجية المعايير في مقاييس الأرباح غير التقليدية في وول ستريت، فإذا لم تحتسب خسائر أنثروبيك الدفترية الهائلة ضمن الأرباح المعدلة، فلا ينبغي احتساب المكاسب الدفترية الكبيرة الناتجة عن صفقاتها.
وسيمثل الطرح المنتظر لأسهم أنثروبيك للاكتتاب العام علامة فارقة في طفرة الذكاء الاصطناعي، كما أنه سيحفز على إعادة النظر، التي طال انتظارها، في المعايير التي تستحق فعلاً أن تُؤخذ في الحسبان عند تقييم الأداء التشغيلي.