تخيّم أجواء التشاؤم على الأمريكيين عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مع تصدر الاقتصاد وارتفاع الأسعار اهتمامات الناخبين، وتحميل كثيرين سياسات الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما الرسوم الجمركية والحرب على إيران، مسؤولية استمرار الضغوط المعيشية.
ورغم متانة سوق العمل وقوة النمو الاقتصادي والمكاسب التي حققتها الأسهم بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي، لا يزال ارتفاع تكاليف المعيشة يثير استياء الأسر الأمريكية، إذ يضع الناخبون الأداء الاقتصادي لإدارة ترامب تحت الاختبار في انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.
اقتصاد يثير التذمر
وأظهرت استطلاعات المستهلكين تراجعاً عاماً في المعنويات منذ بدء ولاية ترامب الثانية في يناير (كانون الثاني) 2025، رغم تباين المؤشرات، إذ تحسن مقياس ثقة المستهلك الصادر عن مجلس المؤتمرات الأمريكي خلال أكتوبر (تشرين الأول)، بينما اقترب مؤشر جامعة ميشيغان لمعنويات المستهلكين من أدنى مستوياته التاريخية، وفقاً لـ"رويترز".
وأوضح برايان جاكوبسن، كبير استراتيجيي الاقتصاد لدى "أنيكس ويلث مانجمنت"، أن مؤشر الثقة يرتبط بدرجة أكبر بأداء الاقتصاد الكلي، بينما يعكس مؤشر المعنويات تقييم الأفراد لأوضاعهم المالية وقدرتهم على تحمل تكاليف الحياة، مشيراً إلى أن المعنويات تؤثر في نتائج الانتخابات أكثر من الأسواق.
سوق العمل يتماسك
ويستند جانب من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأمريكي إلى استمرار تماسك سوق العمل، فرغم تباطؤ التوظيف وصعوبة حصول الخريجين الجدد على وظائف، لم تشهد الشركات موجات تسريح واسعة، فيما تقترب طلبات إعانات البطالة الأسبوعية من أدنى مستوياتها منذ 57 عاماً، وفقاً لـ"رويترز".
وبلغ معدل البطالة 4.2% في سبتمبر (أيلول) 2026، ولم يتجاوز 4.5% طوال خمس سنوات متتالية، وهي أطول فترة من نوعها مسجلة. كما أظهر مقياس مجلس المؤتمرات الأمريكي اتساع الفارق بين المستهلكين الذين يرون الوظائف متوافرة وأولئك الذين يجدون صعوبة في الحصول عليها خلال أكتوبر(تشرين الأول)، في إشارة إلى تحسن تقييم سوق العمل.
الأسهم والذكاء الاصطناعي يدعمان النمو
وساهمت مكاسب الأسهم الأمريكية، التي دفعت المؤشرات الرئيسية إلى مستويات قياسية متكررة خلال العام الجاري، في تعزيز ثروات الأسر، خصوصاً مرتفعة الدخل، ودعم إنفاقها الاستهلاكي، الذي يمثل أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي، وفقاً لـ"رويترز".
وأظهرت البيانات نمو الاقتصاد الأمريكي بمعدل سنوي بلغ 3.4% خلال الربع الثالث، في أقوى أداء له هذا العام. وأكد وزير الخزانة سكوت بيسنت استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي ونشاط الشركات، رغم ضعف استطلاعات المعنويات، فيما ارتفعت استثمارات الشركات بمعدل سنوي بلغ 12.7% خلال الربع نفسه، بدعم جزئي من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
مخاطر تراجع طفرة الذكاء الاصطناعي
لكن هذه المكاسب تواجه تحديات متزايدة، بعدما أثارت نتائج أعمال شركات، بينها "أمازون" و"إنتل"، تساؤلات بشأن استدامة الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع تراجع حاد في مؤشر "ناسداك"، وسط مخاوف من إعادة تقييم توقعات النمو والعوائد الاستثمارية، وفقاً لـ"رويترز".
وحذر تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين لدى "أبولو غلوبال مانجمنت"، من أن تراجع التوقعات بشأن الذكاء الاصطناعي قد يضعف ثقة الشركات ويدفعها إلى تقليص إنفاقها الرأسمالي، ما يضغط على النمو الاقتصادي، في وقت تسهم فيه أسعار النفط المرتفعة والرسوم الجمركية وتشديد قيود الهجرة في زيادة الضغوط التضخمية، بما يرفع مخاطر الركود التضخمي.
ورغم تباطؤ التضخم مقارنة بذروته في عام 2022، لا يزال أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وهو ما يفسر استمرار شعور كثير من الأسر بارتفاع تكاليف الوقود والخدمات والمطاعم، حتى مع تحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي.
الأجور والأسعار.. معركة القوة الشرائية
ومنذ بداية ولاية ترامب الثانية، نمت الأجور بوتيرة أسرع من الأسعار، لكن هذا الاتجاه تراجع مع ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتزايد بعض الضغوط المرتبطة بالطلب على الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع تباطؤ نمو الأجور، بحسب "رويترز".
وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي ارتفاع أسعار المستهلكين ومتوسط الأجر بالساعة بنحو 5.5% لكل منهما منذ يناير (كانون الثاني) 2025، ما يشير إلى أن القوة الشرائية لمتوسط الأجر بقيت شبه مستقرة مقارنة ببداية ولاية ترامب، من دون أن يعني ذلك تساوي أوضاع جميع العاملين والأسر.
الفائدة والسكن يزيدان الضغوط
وفي مواجهة استمرار التضخم، رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر (أيلول) 2026، إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، قبل أن يثبتها عند المستوى نفسه في أكتوبر (تشرين الأول)، مع استمرار التوقعات بإمكان تشديد السياسة النقدية مجدداً في ديسمبر (كانون الأول)، وفقاً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي.
وتزيد تكاليف الاقتراض المرتفعة الضغوط على الأسر، ولا سيما الراغبين في شراء المساكن، بعدما تجاوزت فوائد الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مستوى 7%، بالتزامن مع محدودية المعروض وارتفاع أسعار العقارات، ما يجعل امتلاك المنازل أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين.