تدفع أزمة نقص العمالة الماهرة في الولايات المتحدة شركات الإنشاءات والصناعات الفنية إلى توسيع جهود استقطاب النساء للعمل في مهن ظلت لسنوات طويلة تحت هيمنة الرجال، مثل تشغيل الرافعات واللحام وصيانة المعدات وإصلاح السيارات، في محاولة لسد فجوات التوظيف ومواكبة الطلب المتزايد على المهارات المتخصصة.
وبدأت بعض الشركات إدخال تعديلات على بيئة العمل، تشمل إجازات الأمومة المدفوعة وتوفير معدات وقاية شخصية بمقاسات مناسبة وترتيبات أكثر مرونة، إلى جانب إجراءات لمكافحة التحرش والتمييز، بهدف استقطاب العاملات والاحتفاظ بهن، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
وتوفر هذه المهن فرصاً للحصول على أجور مجزية دون اشتراط شهادة جامعية مدتها 4 سنوات، إذ يمكن الالتحاق بعدد منها عبر برامج التدريب المهني والتلمذة الصناعية، مع تفاوت الدخل وفق التخصص والخبرة والمنطقة وساعات العمل، بحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
مشاركة نسائية متزايدة
ارتفعت حصة النساء العاملات في مجموعة من مهن البناء والتركيب والصيانة والإصلاح في الولايات المتحدة إلى %4.4 خلال 2025، مقارنة بنحو %2.9 قبل عقد، وتشمل هذه الفئات أعمال السباكة والنجارة وصيانة السيارات وغيرها من التخصصات الفنية، وفق بيانات حكومية أوردتها "وول ستريت جورنال".
ويمتد هذا التحول إلى مؤسسات التدريب المهني، إذ بلغت نسبة الطالبات في معهد "يونيفرسال التقني" نحو %8 من إجمالي الدارسين، أي 4 أمثال مستواها قبل 5 سنوات، في مؤشر إلى زيادة اهتمام النساء باكتساب مهارات تقنية تتيح لهن دخول سوق العمل.
وتصل نسبة الطالبات في بعض برامج إصلاح هياكل السيارات وإعادة طلائها إلى %19، وهي تخصصات تجمع بين المهارات اليدوية واستخدام المعدات الحديثة وتقنيات التشخيص والإصلاح، وفق البيانات التي نقلتها "وول ستريت جورنال" عن المعهد.
وتعكس هذه التطورات تغير طبيعة عدد من المهن الفنية، التي أصبحت تعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا والدقة والمهارات المتخصصة، بدلاً من القوة البدنية وحدها، خصوصاً في مجالات صيانة السيارات والأعمال الكهربائية والتشغيل الصناعي.
أجور مرتفعة وفرص مهنية
ومن بين النماذج التي تناولتها الصحيفة عاملة في الثلاثينيات من عمرها تشغل رافعة برجية بمدينة ناشفيل الأمريكية، وتتقاضى نحو 120 ألف دولار سنوياً، مقابل نوبات عمل قد تصل إلى 12 ساعة، تتولى خلالها نقل مواد البناء الثقيلة داخل مواقع الإنشاءات.
غير أن هذا الدخل يمثل حالة مهنية محددة، ولا يعكس متوسط أجور جميع مشغلي الرافعات أو العاملات في المهن الفنية، إذ تتأثر الرواتب بعوامل تشمل الخبرة وطبيعة المشروع والموقع الجغرافي والعمل الإضافي، بحسب مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
الشركات تعيد النظر في بيئة العمل
وتدرك شركات الإنشاءات أن زيادة توظيف النساء لا تكفي وحدها لمعالجة نقص العمالة، ما لم تترافق مع تحسين ظروف العمل وإزالة العوائق المرتبطة بالأمومة والمسؤوليات الأسرية وثقافة مواقع الإنشاءات، وفق "وول ستريت جورنال".
وفي هذا الإطار، بدأت إحدى شركات الإنشاءات منذ 2024 توفير إجازة أمومة مدفوعة لمدة 12 أسبوعاً، ضمن جهود تحسين المزايا الوظيفية، بالتزامن مع ارتفاع نسبة النساء بين عمالتها الماهرة من %7 قبل عقد إلى أكثر من %10.
كما تتجه بعض الشركات إلى إتاحة ترتيبات عمل أكثر مرونة للوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك، بما يشمل المهام الإدارية والفنية التي يمكن إنجاز جزء منها عن بُعد، بينما تظل أعمال التشغيل والتركيب الميدانية مرتبطة بالحضور الفعلي إلى مواقع العمل، وفق "وول ستريت جورنال".
وتشمل التغييرات توفير خوذ وقفازات وأحذية ومعدات حماية شخصية بمقاسات تناسب العاملات، بدلاً من الاعتماد على تجهيزات قد لا توفر الحماية المناسبة، إلى جانب توجيه مسؤولي المواقع إلى مراعاة الاحتياجات المختلفة للعاملين.
وفي ولايتي واشنطن وإلينوي، تسلط التشريعات المنظمة لحقوق العاملات الضوء على أهمية توفير مرافق مناسبة للرضاعة الطبيعية وحفظ الحليب وفترات الاستراحة، بما يساعد الأمهات على الاستمرار في العمل، وفق ما أوردته "وول ستريت جورنال" عن بيئة العمل في قطاع الإنشاءات.
تحديات الاحتفاظ بالعاملات
ولا تقتصر العقبات على المزايا الوظيفية، إذ تواجه بعض النساء سلوكيات مسيئة أو تمييزية في مواقع العمل التي يغلب عليها الرجال، ما دفع شركات إلى تشديد إجراءات تلقي الشكاوى والتحقيق فيها، بحسب "وول ستريت جورنال".
ومن بين الإجراءات التي استعرضتها الصحيفة آليات للاستجابة السريعة إلى شكاوى التحرش والإساءة، تشمل إشراك مسؤولين كبار خلال 4 ساعات من الإبلاغ عن بعض الوقائع، بهدف الحد من تكرارها وتعزيز الثقة في إجراءات الحماية.
وفي واقعة أخرى بولاية تكساس، جرى استبدال فريق تابع لأحد المقاولين يضم 12 عاملاً، بعد العثور على عبارات مسيئة بحق موظفات في موقع العمل وتعذر تحديد المسؤول المباشر عنها.
الطلب على المهارات الفنية
وتأتي جهود استقطاب النساء في وقت يشهد فيه قطاع الإنشاءات طلباً متزايداً على فنيين وعمال مهرة، مدفوعاً بمشروعات البنية التحتية ومراكز البيانات والمنشآت الصناعية، مع استمرار المنافسة بين الشركات على العمالة المتخصصة.
وفي ظل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة، يرى مسؤولون في القطاع أن كثيراً من المهن الفنية ستظل بحاجة إلى المهارات البشرية، خصوصاً الأعمال الميدانية التي تتطلب التعامل مع ظروف متغيرة واتخاذ قرارات عملية، مع توقع استمرار تطور طبيعة هذه الوظائف بفعل التكنولوجيا.