ستة أشهر من احتياجات السوق المحلية، هي المدة التي يغطيها متوسط الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية في مصر، وفقاً لوزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، الذي أكد أن مخزون بعض السلع يتجاوز هذه الفترة، مع وجود تعاقدات جديدة لزيادة الكميات المتاحة.
في مواجهة مخاطر الاعتماد على الخارج، تسعى الحكومة المصرية إلى تنويع مناشئ استيراد القمح، بما يطرح خيارات أوسع أمام الجهات المسؤولة عن الشراء، ويقلل التأثر بأي اضطرابات في دولة أو منطقة بعينها.
ورغم أن التصريح يعكس طمأنينة بشأن توافر السلع الأساسية، فإن الأرقام التفصيلية للمخزون تكشف عن تفاوت بين المنتجات، سواء من حيث مدد الكفاية أو حجم الاعتماد على الاستيراد، ما يجعل تأثير اضطرابات الأسواق العالمية مختلفاً من سلعة إلى أخرى.
أين تقف احتياطيات السلع؟
بالرجوع إلى البيانات التي كشف عنها وزير التموين المصري أمام مجلس الشيوخ في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يظهر تفاوت واضح في مدد الأمان لكل سلعة، فمثلاً مخزون اللحوم الطازجة يحلّق في المقدمة بنحو 14.3 شهر، يليه السكر بـ 9.9 أشهر، بينما يتراجع رصيد الدقيق والقمح التمويني إلى 5.5 و5.1 أشهر على التوالي.
على الطرف الآخر، تتراجع أرقام المخزون بصورة أكبر في سلع أساسية أخرى، فالزيوت تقف عند حدود 3.4 أشهر فقط، في حين تسجل المكرونة أدنى مدة كفاية بنحو 2.1 شهر. وهو فارق جوهري يوضح تفاوت درجات الحماية بين المنتجات، ويضع السلع ذات الرصيد الأقل تحت مجهر المتابعة الحثيثة لضمان استمرارية ضخها في الأسواق بلا انقطاع.
الزيوت.. الحلقة الأضعف في المخزون
وتقف الزيوت في صدارة السلع الأكثر تعرضاً لمخاطر نقص الإمدادات، بمخزون 3.4 أشهر، فيما تعتمد مصر على الاستيراد لتوفير 95% من احتياجاتها، وفق تصريحات سابقة لمساعد وزير التموين أحمد كمال.
وبلغت واردات مصر من الزيوت النباتية الثلاثة الرئيسية (النخيل وعباد الشمس والصويا) 2.3 مليون طن خلال موسم 2025/2026، توزعت بين 1.43 مليون طن من زيت النخيل، و565 ألف طن من زيت عباد الشمس، و314 ألف طن من زيت الصويا.
وتؤشر الواردات الكبيرة إلى اتساع اعتماد السوق المصرية على الواردات لتلبية الطلب على الزيوت النباتية، كما تكشف أهمية تنويع مصادر التوريد، حيث تراجعت شحنات زيت عباد الشمس من روسيا خلال الاثني عشر شهراً السابقة، لكن الزيادة في الإمدادات من الأرجنتين وأوكرانيا عوضت هذا الانخفاض.

القمح.. إنتاج أكبر وفجوة مستمرة
أما القمح فيمثل ركيزة أساسية في الأمن الغذائي المصري، لارتباطه الوثيق بمنظومة الخبز المدعم وضخامة الاستهلاك المحلي. ورغم أن رصيد القمح التمويني يغطي احتياجات السوق لمدة 5.1 أشهر، تظل مصر تعتمد على الاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وتُقدّر بيانات 2026 إنتاج مصر المحلي من القمح بنحو 10.2 مليون طن، لتحتفظ بموقعها كأكبر منتج للقمح في العالم العربي، مقابل واردات بلغت 12.5 مليون طن.
وعلى صعيد تأمين الإمدادات الخارجية، تتصدّر روسيا وأوكرانيا قائمة المورّدين، إلى جانب رومانيا وفرنسا وبلغاريا، ضمن قائمة المناشئ المعتمدة لدى الهيئة العامة للسلع التموينية، التي تضم 22 منشأً لاستيراد القمح.

وحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الصادر في يونيو (حزيران) 2026، تُقدّر احتياجات مصر من واردات القمح خلال موسم 2026/2027 بـ 13.5 مليون طن، بزيادة 8% على متوسط الاحتياجات، مع اعتماد معظم الإمدادات على منطقة البحر الأسود للاستفادة من الأسعار التنافسية.
وعلى مستوى الإنتاج المحلي، سجل موسم توريد القمح لعام 2026 مشتريات حكومية بلغت 5 ملايين طن، مقابل أكثر من 4 ملايين طن في الموسم السابق، وهو أعلى مستوى تسجله منظومة التوريد الحكومية في مصر.
في السياق ذاته، الاعتماد الكبير على الواردات، وتركيز جانب مهم منها في منطقة البحر الأسود، يبقيان إمدادات القمح عرضة لتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل التوريد، ما يجعل تنويع مناشئ الاستيراد أحد العوامل المهمة لتقليل مخاطر الاعتماد على أسواق محددة.

المكرونة.. مخزون تحت الاختبار
وعلى عكس القمح، تسجل المكرونة أقصر مدة كفاية في قائمة السلع التموينية بنحو 2.1 شهر، وهو ما يضع خطوط إنتاجها وسلاسل توزيعها تحت الرقابة المباشرة، لا سيما وأن هذه الصناعة تعتمد بصفة أساسية على خامات القمح والدقيق، وبالتالي أي تقلبات في أسعار الحبوب تسري فوراً إلى تكاليف التصنيع والبيع، حتى مع توفر المنتج النهائي بالأسواق.
ومن هذا المنطلق، تتأكد أهمية المتابعة الدورية لمخزون الدقيق، الذي تبلغ مدة كفايته 5.5 أشهر وفق بيانات وزارة التموين، إلى جانب مراقبة انتظام إمدادات المكرونة للمنافذ، بما يساعد على تفادي انتقال أي اضطرابات في تدبير الخامات إلى توافر المنتج النهائي.
الصوامع توسع هامش الأمان
وفي مواجهة مخاطر الاعتماد على الخارج، تسعى الحكومة المصرية إلى تنويع مناشئ استيراد القمح، بما يطرح خيارات أوسع أمام الجهات المسؤولة عن الشراء، ويقلل التأثر بأي اضطرابات في دولة أو منطقة بعينها.
كما تعمل مصر على زيادة قدراتها التخزينية، حيث ارتفعت السعة التخزينية للصوامع إلى 4.4 مليون طن، مع استهداف الوصول إلى 6 ملايين طن بحلول 2030، بما يعزز قدرة الدولة على الاحتفاظ بكميات أكبر من القمح وتقليل مخاطر تأخر الشحنات.
في الوقت ذاته، تمنح التوسعات التخزينية مرونة أكبر في اختيار التوقيت الأنسب للشراء من الأسواق الدولية، وتساعد في استغلال تراجع الأسعار العالمية، إضافة إلى دورها المباشر في حماية الشحنات وتقليل الفاقد خلال عمليات التخزين والتداول.