تتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الحكومة الفرنسية، إذ لم تعد الاحتجاجات تقتصر على أيام السبت، بل امتدت إلى إضرابات خلال أيام العمل، ما يهدد بتعطيل قطاعات حيوية، وسط خلافات بشأن الأجور وخفض الإنفاق الاجتماعي وموازنة 2027.
وبحسب وكالة الأنباء الألمانية، دعت نقابات فرنسية إلى مظاهرات جديدة، اليوم الخميس، مع التحشيد لإضراب عام، بعد احتجاجات شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية، اعتراضاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
احتجاجات تتجاوز أيام السبت
تتوقع أجهزة الاستخبارات الداخلية مشاركة ما بين 500 و700 ألف متظاهر خارج باريس، فيما تستعد السلطات لنشر نحو 70 ألف شرطي. ووفقاً لوكالة "رويترز"، من المتوقع أن تمتد الإضرابات إلى قطاعات التعليم والنقل والطاقة، مع ترجيح انضمام 17.5% من معلمي المدارس الابتدائية الحكومية إليها.
وتأتي التحركات بعد احتجاجات شهدتها فرنسا خلال 3 أيام سبت متتالية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فيما أفادت صحيفة "لوموند" بأن نقابة "CGT" أعلنت تنظيم 244 مظاهرة في أنحاء البلاد، وسط مشاركة مرتقبة من النقابات العمالية والطلاب وحركة السترات الصفراء، ما يعكس اتساع نطاق الاحتجاجات.
في المقابل، تتداول مجموعات من المحتجين دعوات لمواصلة التحركات خلال الأيام المقبلة، دون إعلان اتفاق نقابي شامل على الدخول في إضراب مفتوح، ما يبقي حجم الاضطرابات المقبلة غير محسوم.

الأجور والقدرة الشرائية
تطالب النقابات بزيادة الرواتب والمعاشات وتحسين الخدمات العامة، إلى جانب حماية المساعدات الاجتماعية من التخفيضات.
وبحسب "رويترز"، ترى النقابات أن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والإيجارات والكهرباء والغاز أدى إلى تآكل القدرة الشرائية، في وقت لم تواكب فيه الأجور والمعاشات ارتفاع تكاليف المعيشة.
كما تدعو بعض النقابات إلى فرض ضرائب أعلى على الثروات الكبيرة، بدلاً من تحميل الموظفين والأسر أعباء إجراءات خفض الإنفاق، في ظل الخلاف بشأن توزيع تكلفة معالجة العجز المالي.

البرلمان يعمّق أزمة الموازنة
تشكل موازنة 2027 محوراً رئيسياً للخلاف، إذ ذكرت قناة "TF1" نقلاً عن وكالة "فرانس برس" أن الحكومة تستهدف تحقيق وفورات بنحو 54 مليار يورو، بهدف خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وسط اعتراضات نقابية على تجميد رواتب الموظفين الحكوميين وبعض المساعدات الاجتماعية.
ووفقاً لصحيفة "الغارديان"، تزداد صعوبة الموقف مع اقتراب الدين العام الفرنسي من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يضيق هامش المناورة المالية للحكومة بين الاستجابة لمطالب المحتجين والحفاظ على خطط ضبط الإنفاق.

مخاطر تعطيل النقل والطاقة
حذرت صحيفة "الغارديان" من اضطرابات محتملة في قطاعات حيوية، تشمل السكك الحديدية والموانئ والمستشفيات والمراقبة الجوية والتعليم.
وأكدت الشركة الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية توقع اضطرابات في بعض الخدمات الإقليمية، فيما أفادت صحيفة "لوموند" باستمرار تشغيل نحو 90% من القطارات فائقة السرعة (TGV)، ما يشير إلى محدودية تأثير الإضرابات على الرحلات لمسافات طويلة.
وفي قطاع الطاقة، أفادت "رويترز" بأن الإضرابات أدت إلى خفض إنتاج الكهرباء النووية في فرنسا بمقدار 2.4 غيغاواط، مع مشاركة نقابات القطاع في التحركات.
وأشارت الوكالة إلى أن اتساع الإضرابات قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التشغيل والنقل على الشركات الفرنسية، خصوصاً في القطاعات الصناعية واللوجستية التي تعتمد على انتظام إمدادات الطاقة وحركة الشحن، فيما قد تتعرض الأنشطة التجارية والسياحية لضغوط إضافية إذا استمرت الاضطرابات.

الحكومة تبحث عن تسوية
في محاولة لاحتواء الغضب الاجتماعي، نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن وزير الاقتصاد، رولان ليسكور، أن الحكومة تدرس زيادة إضافية في الحد الأدنى للأجور، تتجاوز الزيادة المقررة في يناير (كانون الثاني) 2027، مع احتمال إعلان تفاصيل خلال الأيام المقبلة.
وتضع هذه التطورات حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون أمام ضغوط اقتصادية وسياسية متزامنة، قبل 5 أشهر من الانتخابات الرئاسية، وسط مخاوف من تحول الاحتجاجات المتكررة إلى اضطرابات أطول أمداً، تعرقل النشاط الاقتصادي وتزيد صعوبة تنفيذ الإصلاحات المالية.