أعادت موجة الخسائر الهائلة التي تكبدها مؤشر "ناسداك المركب" هذا الأسبوع، وبلغت 2.5 تريليون دولار، التذكير بضرورة توخي الحذر لجميع المستثمرين أياً كان حجم استثماراتهم، في ظل زخم توسعات الذكاء الاصطناعي.

ومع تراجع أسهم التكنولوجيا، الخميس الماضي، هبطت المؤشرات الرئيسية بشكل حاد؛ إذ سجلت مؤشرات "داو جونز"، و"إس آند بي 500"، و"ناسداك" أسوأ أداء يومي لها منذ 19 شهراً. وتتزايد المخاوف من أن يؤدي تشديد السياسات العامة والعقبات التنظيمية إلى إبطاء وتيرة تشييد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

تنويع الاستثمارات.. "حائط صد"

ورغم ما تسببه هذه التقلبات من قلق، فإنها تسلط الضوء مجددًا على الأهمية البالغة لتنويع الاستثمارات. ووفقًا لتقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية، فإن توزيع رؤوس الأموال على مزيج يتضمن الأسهم، والسندات، والسلع، والأصول الأخرى، يضمن عدم رهن المحفظة المالية بأسهم قيادية معدودة، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة الأوقات العصيبة.

وأصبحت العديد من المحافظ الاستثمارية وخطط التقاعد مشبعة بأسهم الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بالقفزات التقييمية لشركات التكنولوجيا، واستحواذها على أوزان نسبية أكبر في المؤشرات المرجعية، مثل "إس آند بي 500".

وفي هذا الصدد، ينبه أرون سوندارام، نائب الرئيس الأول لاستراتيجيات الاستثمار في شركة "CFRA Research"، قائلاً: "تُعد موجة البيع المكثفة الأخيرة بمثابة جرس إنذار للمستثمرين، الذين ابتعدوا عن بناء محفظة متوازنة ومتنوعة. هذا التنبيه يعني أنه قد حان الوقت لبذل الجهد المطلوب لإعادة توزيع المخاطر".

هيمنة الذكاء الاصطناعي

وعلى مدار الأعوام الأربعة الماضية، فرض الذكاء الاصطناعي نفسه كقوة محركة رئيسية لأسواق الأسهم، دافعًا أسهم شركات التكنولوجيا، ومصنعي أشباه الموصلات، والشركات المرتبطة ببنية مراكز البيانات إلى مستويات قياسية.

وتستحوذ شركات تصنيع الرقائق وحدها على نحو خُمس القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500"، فيما تسيطر أكبر 10 أسهم في المؤشر بينها 9 أسهم تكنولوجية على 40 % من إجمالي قيمته. ومع هذا الصعود الصاروخي، أصبحت المؤشرات الرئيسية أكثر تركزًا، مما جعل مهمة التنويع أكثر تعقيداً على المستثمرين.

وساهمت طفرة الذكاء الاصطناعي في قفزة مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 88% منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 وحتى مطلع الشهر الجاري، لتفسح المجال أمام نمو قيم المحافظ الاستثمارية وصناديق التقاعد. غير أن هذا الاعتماد الشديد جعل تلك المحافظ مكشوفة أمام مخاطر عالية، حال حدوث أي تصحيح حاد في هذا القطاع.

أدوات تحوط الاستثمار

لا توجد استراتيجية موحدة تناسب جميع المستثمرين؛ فالأمر يرتبط بالسن، والمدى الزمني للاستثمار، ومستوى تحمل المخاطر. كما تُعد محاولة التنبؤ بالتوقيت المثالي للشراء والبيع رهانًا غير مضمون، وبدلاً من ذلك يُوصى باعتناق استراتيجيات تحوط طويلة الأجل، أبرزها:

· القطاعات الدفاعية: يُعد الضخ في قطاعي الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية ملاذًا مأمونًا نسبيًا أثناء تراجع التكنولوجيا، نظراً لثبات أداء الرعاية الصحية، بعيدًا عن التقلبات التقنية.

· السندات طويلة الأجل: أدت عمليات البيع في سوق السندات مؤخراً إلى دفع العوائد نحو مستويات جاذبة، مما يضمن دخلاً ثابتاً ومستقراً على المدى الطويل.

· صناديق العقود الآجلة النشطة: تتيح هذه الصناديق خيارات استثمارية ذات ارتباط منخفض حركة أسهم التكنولوجيا، مما يمتص جزءاً من الخسائر عند هبوط الأسواق.

· الذهب والمعادن الثمينة: يساهم إدراج الذهب والمعادن النفيسة ضمن المحفظة في تقليل درجة تقلبها وحمايتها من الهزات.

وفي هذا السياق، يقول ديفيد بيلين، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ "CIO Group": "كن حذراً من الانكشاف الخفي داخل محفظتك المالية؛ فما زالت لديك الفرصة لاتخاذ خطوات تصحيحية لتعديلها".

ويؤكد خبراء، بحسب شبكة "سي إن إن" أن الهدف ليس التخلص الكلي من أسهم الذكاء الاصطناعي كونها أسهم نمو تحقق عوائد مجزية في أوقات انتعاش السوق، بل بناء حائط صد عبر التحوط وتوزيع الأصول.

ويرى توماس جيوجيجان، مؤسس "Beacon Hill Private Wealth"، أن "التنويع لا يمحو الخسائر كلياً، ولكنه يقلل من الارتهان لقطاع واحد فقط في السوق".