في خطوة استباقية للتعامل مع التوترات الإقليمية المتصاعدة، اتخذت مصر سلسلة من القرارات السيادية المباشرة لتدبير وتأمين مخزون استراتيجي شامل يغطي كافة الاحتياجات الأساسية للدولة، وذلك بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي.
ولم تقتصر التوجيهات الرئاسية على الأجهزة المعنية بإدارة الأزمات والطوارئ فحسب، بل امتدت لتشمل كافة المؤسسات الوطنية، بهدف بناء منظومة استجابة سريعة قادرة على مجابهة التداعيات، حال تصعيد الصراع في المنطقة خلال الفترة المقبلة.
ويتزامن ذلك مع إعلان مجلس الوزراء المصري مؤخراً تطبيق خطط تقشفية في كافة الوزارات والهيئات الحكومية، لضمان صمود الاقتصاد المصري واستدامته أمام أسوأ سيناريوهات التصعيد الإقليمي.
تحصين الأمن القومي والقرار السيادي
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف كمال أن المخزون الاستراتيجي الشامل لمصر ليس مجرد تدبير تمويني اعتيادي، بل يشكل خط دفاع أول للأمن القومي، إذ يهدف إلى تحصين الدولة ضد التداعيات المباشرة لأي شلل قد يصيب خطوط التجارة وشرايين الطاقة في الشرق الأوسط، حال اندلاع صراع واسع.
وأوضح كمال، في تصريحات لـ 24، أن الأهداف الاستراتيجية لهذه التدابير تتمثل في حماية استقلالية القرار السياسي والسيادي، عبر منع استخدام ملف السلع والوقود كأداة للضغط الخارجي، إذا ما اشتعلت الحرب وتضررت الأسواق العالمية.
وتابع قائلاً: "تستهدف الخطة توفير كميات كافية تضمن تلبية احتياجات المواطنين لفترات ممتدة، دون أدنى شح في الإمدادات، إلى جانب كبح أي قفزات سعرية استغلالية أو ممارسات احتكارية ناتجة عن نقص المعروض".
مواجهة حرب استنزاف طويلة
وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذه التدابير الاستثنائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسيناريوهات التصعيد المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وما يتبعها من انقطاع في سلاسل إمداد الطاقة والغذاء نتيجة اضطراب الملاحة والتجارة عبر مضيقي "هرمز" و"باب المندب"، وصولاً إلى قناة السويس.
وأشار كمال إلى أن بناء هذا المخزون يقي مصر من خطر "الشلل التمويني" وارتفاع كلفة التأمين البحري ورسوم الشحن، وهو السلوك ذاته الذي انتهجته القاهرة سابقاً لتجاوز أزمة واردات القمح، عقب اندلاع الحرب الأوكرانية.
كما أكد كمال أن مصر لا تتعامل مع سيناريوهات التصعيد كأزمة عابرة، بل كاحتمال لصراع استنزاف ممتد لشهور، لذلك قضت التوجيهات الرئاسية برفع أرصدة القمح والزيوت والسكر والأدوية لتكفي مدداً تتراوح بين 6 إلى 9 أشهر على الأقل.
وحول قدرة البنية التحتية على استيعاب هذه الكميات الضخمة، أوضح كمال أن الحكومة تعمل بالتوازي على توسيع مساحات التخزين اللوجستي، معتمدة في ذلك على مناطق حديثة متطورة، وفي مقدمتها المساحات الواقعة في محيط المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي ستُستغل لاستيعاب الفائض من السلع الاستراتيجية وتسهيل تدفقها.
ووجه السيسي، أمس السبت، رئيس الهيئة القومية للأزمات والطوارئ، بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من كافة الاحتياجات لمجابهة المواقف الطارئة، وذلك بالتنسيق مع جميع أجهزة ومؤسسات الدولة.
كما وجّه أيضاً بسرعة انتهاء جميع المؤسسات من إدخال البيانات الخاصة بها لدى منظومة الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، وأكد على ضرورة مُراعاة دقة البيانات الواردة للهيئة لإعداد قاعدة بيانات دقيقة تُساهم في اتخاذ القرار الصحيح، مع مراعاة سرية تداول المعلومات.