الإمارات ترسم مستقبل ما بعد النفط (الصورة خاص 24)
الإثنين 8 يونيو 2026 / 09:29
بدأت دولة الإمارات مبكراً في رسم ملامح مستقبل ما بعد النفط، لتتحول خلال العقدين الماضيين إلى واحدة من أبرز الدول الرائدة عالمياً في مجال الطاقة النظيفة، في تجربة يرى خبراء دوليون أنها تقدِّم نموذجاً عملياً للدول والمناطق المعتمدة على الوقود الأحفوري في كيفية الانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة دون التخلي عن مقومات النمو الاقتصادي.
ويؤكد الكاتب والمحلل المتخصص في شؤون الطاقة الأمريكي كين سيلفرستين، أن الإمارات نجحت في استشراف التحديات المستقبلية لسوق الطاقة العالمية، ما دفعها إلى الاستثمار مبكراً في مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات الاستدامة، بدلاً من الاعتماد الحصري على النفط كمحرك للاقتصاد.
رؤية استباقية لما بعد النفط
وفي كتابه المرتقب (البرميل الأخير: كيف تحدّت الإمارات و"مصدر" المنطق وقادتا مستقبل الطاقة النظيفة)، يوثق سيلفرستين مسيرة الإمارات في بناء قطاع متكامل للطاقة المتجددة عبر استثمارات بمليارات الدولارات امتدت لأكثر من 20 عاماً.
وأشار سيلفرستين في حديثه لـ "News and sentinel" حول تفاصيل الكتاب، إلى أن القيادة الإماراتية أدركت منذ وقت مبكر أن النفط مورد محدود، وأن استدامة النمو الاقتصادي تتطلب تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في قطاعات المستقبل، مؤكداً أن هذه الرؤية لم تكن مجرد حملة دعائية، بل استراتيجية طويلة الأمد تستند إلى قراءة واقعية لمستقبل أسواق الطاقة.
كما أوضح أن تأسيس شركة "مصدر" شكّل نقطة تحول في مسار الطاقة النظيفة عالمياً، إذ بدأت الشركة قبل أكثر من عقدين كمبادرة طموحة لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، قبل أن تتحول إلى لاعب دولي يعمل اليوم في أكثر من 40 دولة ويدير مشاريع للطاقة النظيفة تتجاوز قدرتها الإنتاجية 100 ألف ميغاواط.
استراتيجية طموحة حتى 2050
وتواصل الإمارات تنفيذ أهدافها ضمن استراتيجية الطاقة 2050، التي تستهدف رفع مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني إلى 30% بحلول عام 2030، وزيادة قدرات الطاقة المتجددة بمقدار 14 غيغاواط، إلى جانب توفير نحو 50 ألف فرصة عمل جديدة، وصولاً إلى تحقيق الحياد المناخي بحلول منتصف القرن.
كما تمتلك الدولة ثلاثة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، وأطلقت أول برنامج وطني لطاقة الرياح عام 2023، فضلاً عن تطوير مشاريع متقدمة لالتقاط الكربون وتخزينه، بهدف احتجاز نحو 1.5 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنوياً.
الطاقة الخضراء والاستثمار طويل الأمد
وبحسب سيلفرستين، فإن أحد أبرز عوامل نجاح الإمارات يتمثل في قدرتها على مواصلة الاستثمار في الطاقة النظيفة خلال الفترات الصعبة التي شهدها القطاع عالمياً، مستفيدة من مواردها المالية وخبرتها الطويلة في قطاع الطاقة.
وأضاف أن بناء صناعة جديدة لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يتطلب رؤية بعيدة المدى واستمرارية في الاستثمار، وهو ما نجحت الإمارات في تحقيقه عبر التزامها طويل الأجل بمشاريع الطاقة المتجددة رغم التقلبات الاقتصادية والتحديات التي واجهت القطاع.
ولفت الخبير الأمريكي إلى أن تجربة الإمارات أثبتت أن الطاقة النظيفة ليست مشروعاً بيئياً فقط، بل قطاع اقتصادي قادر على تحقيق عوائد مالية مستدامة وجذب الاستثمارات، مشيراً إلى أن التطور التقني وتراجع تكاليف الإنتاج عززا من تنافسية الطاقة المتجددة عالمياً.
وأوضح أن العوائد المتحققة من هذه المشاريع تُعاد استثمارها في الابتكار والتطوير، ما يخلق دورة نمو مستمرة تدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
نموذج عملي للتجربة الإماراتية
ويرى سيلفرستين أن التجربة الإماراتية تمثل نموذجاً عملياً للدول والمناطق التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري، موضحاً أن الاستثمار في الطاقة المتجددة لا يتطلب التخلي عن الصناعات التقليدية، بل يمكن أن يسير بالتوازي معها ضمن رؤية طويلة الأمد تضمن استدامة النمو الاقتصادي.
ويؤكد أن أحد أبرز عوامل نجاح الإمارات تمثل في توظيف عائدات النفط لبناء قطاعات جديدة للمستقبل، ما منحها القدرة على مواصلة تمويل مشاريع الطاقة النظيفة حتى خلال الفترات التي شهدت اضطرابات وتراجعاً في أسواق الطاقة المتجددة عالمياً، في وقت اضطرت فيه دول أخرى إلى تجميد أو تأجيل خططها.
الدرس الإماراتي لولاية فرجينيا الغربية
وبحسب سيلفرستين، فإن هذه الدروس تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لولاية فرجينيا الغربية الأمريكية، التي تُعد رابع أكبر منتج للطاقة في الولايات المتحدة ومسقط رأس الكاتب، لكنها تواجه تحديات متزايدة نتيجة التراجع المستمر في صناعة الفحم وهجرة أعداد من الشباب والسكان إلى ولايات أخرى.
ويرى أن الولاية، رغم ما تمتلكه من مقومات طبيعية وسياحية كبيرة، تحتاج إلى تبني رؤية أكثر انفتاحاً على الاقتصاد الأخضر إذا أرادت استعادة جاذبيتها الاستثمارية والديموغرافية.
ويضيف أن محاولات دعم محطات الفحم عبر التدخلات التشريعية لن تغير من واقع السوق، في ظل التنافسية المتزايدة للغاز الطبيعي والطاقة المتجددة وانخفاض تكاليفهما مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية، مشدداً على أن المستقبل سيكون للدول والمناطق القادرة على التكيف مع التحولات الجارية في قطاع الطاقة العالمي.
ويختتم سيلفرستين تحليله بالقول: "السبب الرئيسي وراء قدرة الإمارات على جذب العقول والمستثمرين من كل حدب وصوب هو توفيرها لمسار مستقبلي واضح وملهم.. إذا أرادت الولايات والمجتمعات القائمة على الفحم أو النفط التقليدي أن تحمي مستقبلها، يجب ألا تسمح لمجموعات الضغط التقليدية باحتكار القرار وتهميش القوى الاقتصادية الجديدة، وأخذ جزء من ثرواتها الحالية للاستثمار في طاقة الغد.. تماماً كما فعلت الإمارات".