عاملون في أحد المصانع البريطانية (أ ف ب)
عاملون في أحد المصانع البريطانية (أ ف ب)
الأحد 23 أغسطس 2026 / 11:12

نزيف الخبرات و"هجرة العقول".. لماذا يغادر الشباب بريطانيا؟

تدفع أزمات الغلاء وضغوط الضرائب آلاف الكفاءات الشابة في بريطانيا إلى البحث عن فرص بديلة في كندا وأستراليا، ويرى الخبراء أن المشهد أعقد من مجرد "هجرة للعقول"، بل يرتبط بتحولات عميقة في مفهوم جودة الحياة.

البحث عن فرص جديدة

يقول تقرير لصحيفة فايننشال تايمز: "لم يعد القرار بالرحيل عن المملكة المتحدة مجرد فرصة للبحث عن الطقس المشمس، بل أصبح بالنسبة للعديد من المهنيين الشباب خياراً استراتيجياً يحكمه المنطق المالي ومستوى المعيشة".

و​تجسد تجربة الطبيب العام بن راسل هذا التحول الملموس، فبعد انتقاله من لندن إلى مدينة فانكوفر الكندية، لم يقتصر الأمر على تخليه عن استئجار شريك لشقته لتغطية الفواتير، بل امتد لزيادة متوقعة في دخله السنوي من نحو 80 ألف جنيه إسترليني (102 ألف دولار) في بريطانيا إلى قرابة الضعف في كندا. 

وتشير الصحيفة إلى أن تجربة راسل ليست حالة فردية، بل تعكس اتجاهاً متزايداً بين شباب أصبحت تراودهم شكوك حول قدرة الاقتصاد البريطاني على مكافأة طموحاتهم.

أرقام تكشف عمق الضغوط

و​أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية في بريطانيا، أن نحو 246 ألف مواطن غادروا البلاد خلال العام الماضي، وهو رقم يتجاوز ضعف أعداد العائدين. 

وشكل الشباب دون سن الخامسة والثلاثين قرابة ثلاثة أرباع المهاجرين، ما يبرز اتساع الفجوة بين المغادرين والعائدين بشكل متواصل منذ 2022.

​وتقف خلف هذه الأرقام جملة من الضغوط الهيكلية المتراكمة لهذه الأسباب:

  • تراجع الفرص وسوق العمل: بلغت معدلات البطالة 5.2% نهاية العام الماضي، بالتوازي مع تراجع حاد في وظائف الخريجين بنسبة 45% مقارنة بالأعوام السابقة.
  • ارتفاع العبء الضريبي: يواجه العاملون في المملكة المتحدة أعلى مستوى للعبء الضريبي منذ الحرب العالمية الثانية نتيجة تجميد الحد الأدنى للشرائح الضريبية والارتفاع التضخمي.
  • تفاقم الديون السكنية والدراسية: يتخرج الطالب الإنجليزي بمعدل ديون يتجاوز 50 ألف جنيه إسترليني (67 ألف دولار)، ليصطدم بأسعار إيجارات مرتفعة في العاصمة لندن تتراوح بين 750 و1250 جنيهاً للغرفة الواحدة في شقة مشتركة.

أستراليا وكندا تعيدان سنّ القوانين

و​على الجانب الآخر من العالم، تستغل دول مثل أستراليا وكندا هذا التذمر الاقتصادي لجذب المهارات التي تحتاجها أسواقها. في ولاية أستراليا الجنوبية، أدى التوسع في مشروعات التعدين والبنية التحتية إلى فتح باب الاستقدام أمام المهندسين والكهربائيين وأطباء الأسنان والمحاسبين البريطانيين.

​وبحسب المكتب الأسترالي للإحصاء، استقبلت أستراليا أكثر من 25 ألف مهاجر بريطاني في فترة ثلاثة أشهر فقط، حيث تبين حملات التوظيف الترويجية أن الدافع الأساسي للمغادرين لم يعد محصوراً في "تغيير أسلوب الحياة"، بل بات رغبة حقيقية في الخروج من "دوامة الإحباط" الناتجة عن أزمة تكلفة المعيشة.

و​رغم الجدل القائم حول التأثير التراكمي لهذه الهجرة على الحصيلة الضريبية للبلاد، يعتقد العديد من المحللين أن توصيف المشهد بـ "نزيف الأدمغة" ينطوي على قدر من المبالغة.

ويرى جوناثان بورتس، أستاذ الاقتصاد بجامعة كينغز كوليدج لندن، أن حركة المغادرة والعودة بين المواطنين البريطانيين مستقرة نسبياً عند تقييمها على مدى سنوات. 

كما يوضح خبراء آخرون أن المملكة المتحدة تستمر في استقبال كفاءات أجنبية ماهرة تعوض هذا الخروج، إضافة إلى أن حركة الخبرات الشابة للخارج غالباً ما تعود بالنفع على الاقتصاد على المدى الطويل من خلال تعزيز شبكات التجارة والاستثمار وتبادل المهارات.

و​يبقى الرهان المباشر أمام الحكومة البريطانية غير مرتبط بمنع المواطنين من السفر، بل بإعادة تحسين البيئة الاقتصادية المحلية، بجعل البقاء والعمل داخل البلاد خياراً مجدياً وجذاباً من جديد.