حفرة باتاغايكا، مع ذوبان التربة الصقيعية بجمهورية ساخا الروسية (رويترز)
حفرة باتاغايكا، مع ذوبان التربة الصقيعية بجمهورية ساخا الروسية (رويترز)
السبت 29 أغسطس 2026 / 17:34

ذوبان التربة الصقيعية يهدد بإطلاق 300 مليار طن من الانبعاثات

يبدو ذوبان الأرض المتجمدة في أقصى الشمال مشكلة بعيدة عن المدن والأسواق والحياة اليومية، لكن ما يحدث تحت سطح التربة في سيبيريا وكندا يحمل تداعيات تتجاوز حدود القطب الشمالي. 

فكلما ارتفعت الحرارة واشتدت حرائق الغابات، يتحول جزء من الكربون المحبوس منذ آلاف السنين إلى مصدر جديد للغازات الدفيئة، في وقت تحاول فيه الدول خفض انبعاثاتها.

الكربون المحبوس تحت الجليد

ظلت الأرض المتجمدة لآلاف السنين محتفظة ببقايا نباتات قديمة، لكن ارتفاع الحرارة بدأ في إخراج هذا الكربون من حالته المستقرة. فعندما تذوب التربة، تصل الكائنات الدقيقة إلى المواد العضوية وتبدأ في تحليلها، مطلقة ثاني أكسيد الكربون والميثان.

وهكذا يتحول الاحترار إلى حلقة متصلة؛ فارتفاع الحرارة يسرع ذوبان التربة، والذوبان يضيف مزيداً من الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي.

ويرصد غوستاف هوغليوس، الأستاذ في مركز بولين لأبحاث المناخ بجامعة ستوكهولم، هذه التغيرات منذ أولى رحلاته البحثية إلى القطب الشمالي الروسي 2007، وفق صحيفة "الغارديان". 

ويقول إن فصول الصيف شديدة الحرارة والحرائق المتزايدة في سيبيريا وكندا تسرع ذوبان التربة، فيما تظهر بحيرات جديدة بعد بعض مواسم الحرارة الشديدة.

ذوبان يصعب عكسه

ولا تعني عودة البرودة بالضرورة تجمد التربة من جديد؛ فعندما يذوب الجليد الموجود تحت السطح، تتسرب المياه وقد ينهار سطح الأرض، لتتشكل بحيرات وأراض رطبة ومجار مائية تعرف باسم "ثيرموكارست".

وتغير هذه التكوينات طبيعة الأرض وتصريف المياه وخصائص التربة والثلوج، ما يجعل عودة النظام إلى حالته السابقة أكثر صعوبة؛ وبعد تجاوز عتبة معينة، يمكن أن يستمر إطلاق الكربون لعقود أو قرون.

300 مليار طن من الانبعاثات

إذا ارتفعت حرارة العالم بين 1.8 و3.6 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، فقد تفقد التربة الصقيعية ما بين 200 و300 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون خلال هذا القرن.

ويعتمد نوع الانبعاثات على طبيعة الأرض بعد الذوبان؛ ففي المناطق الجافة يتحول الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون، بينما تنتج البيئات الرطبة والبحيرات الميثان بسبب نقص الأكسجين.

ويتمتع الميثان بقوة تسخين تعادل نحو 30 مرة قوة ثاني أكسيد الكربون على المدى القصير، لكنه يتحلل خلال 10 إلى 15 عاماً، بينما يبقى ثاني أكسيد الكربون لفترة أطول ويشكل خطراً أكبر على مدى القرون.

فاتورة اقتصادية للقطب الشمالي

يمتد أثر الذوبان إلى الاقتصاد أيضاً، إذ يمكن أن يجعل عدم استقرار الأرض بناء البنية التحتية واستخراج الموارد أكثر صعوبة وكلفة.

وتواجه روسيا الخطر الأكبر، فنحو نصف إنتاجها من النفط والغاز يأتي من مناطق تقع فوق التربة الصقيعية، ما قد يجعل تشغيلها أكثر صعوبة خلال العقود المقبلة. 

وحتى المكاسب المحتملة من توسيع الزراعة أو الوصول إلى موارد معدنية جديدة لن تعادل الأضرار الاقتصادية المتوقعة.

كل درجة تصنع فرقاً

لا يُتوقع أن تصل منطقة التربة الصقيعية بأكملها إلى نقطة تحول واحدة في الوقت نفسه، لكن مناطق مختلفة بدأت بالفعل في تجاوز نقاط تحول محلية.

وفي شمال السويد وشمال فنلندا، أصبحت خسارة ملايين الكيلومترات المربعة من التربة الصقيعية أمراً لا يمكن تفاديه حتى لو استقر المناخ اليوم، بسبب تجاوز عتبات حرارية قبل عقد أو أكثر. 

وفي المقابل، يمكن إنقاذ مساحات واسعة في سيبيريا وكندا إذا نجح العالم في الحد من ارتفاع الحرارة.

ويقدر هوغليوس أن الحد من كل درجة مئوية من الاحترار العالمي يمكن أن يحمي نحو 4 ملايين كيلومتر مربع من التربة الصقيعية من الذوبان وإطلاق الغازات الدفيئة.