السبت 5 سبتمبر 2026 / 14:30
شهدت الخارطة التكنولوجية العالمية إعادة تشكيل متسارعة برزت فيها دولة الإمارات كواحدة من القوى الرقمية الصاعدة، ليس فقط كمستهلك للمنتجات فائقة الذكاء، بل كصانع ومطور ومستثمر رئيسي في البنية التحتية السيادية للمستقبل.
ولم يكن التحول التنموي نتيجة قرارات مرحلية، بل جاء انعكاساً لمسار تراكمي بدأ منذ مطلع الألفية الحالية مع التأسيس المبكر للحكومة الإلكترونية والذكية، وتطور لاحقاً إلى بناء قطاع تكنولوجي متكامل قادر على منافسة العواصم التقنية التقليدية في الغرب والشرق على حد سواء، مما جعل الدولة بيئة نموذجية لابتكار الحلول البرمجية وتصديرها.
قفزة نوعية سجلتها الدولة
وتكشف لغة المؤشرات الصادرة عن المعاهد الدولية المتخصصة عن حجم القفزة النوعية التي سجلتها الدولة في هذا المضمار؛ إذ يظهر تقرير انتشار وتبني الذكاء الاصطناعي الصادر عن معهد اقتصاد الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع كبريات الشركات التقنية، أن الإمارات اعتلت المرتبة الأولى عالمياً في معدل انتشار واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بين السكان في سن العمل بنسبة قياسية بلغت 70.1%.
ويوضح هذا الرقم الاستثنائي، الذي يمثل أربعة أضعاف المتوسط العالمي البالغ نحو 17.8%، أن الأدوات الذكية والخوارزميات لم تعد مجرد خيارات رفاهية، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في إدارة العمليات اليومية داخل بيئات الأعمال والمؤسسات الاقتصادية المختلفة.
وفي سياق القراءة التحليلية لهذه الإنجازات الرقمية المتلاحقة، يأتي تأكيد الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، أن الريادة العالمية التي حققتها الإمارات في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي هي ثمرة رؤية مبكرة وعمل متواصل بدأ قبل عقدين من الزمن.
قصة نجاح إماراتية
وأشار إلى أن الدولة ترى اليوم ثمار هذه المسيرة الملهمة في الصدارة العالمية في المهارات الرقمية وتبني الحلول المتقدمة، معتبراً إياها قصة نجاح إماراتية يجمع بين فصولها وضوح الرؤية والعمل المخلص باتجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا للدولة.
ولا تنفصل صدارة المهارات الرقمية التي أشار إليها الدكتور قرقاش عن الأداء البشري الموثق في التقارير الدولية؛ إذ يشير مؤشر ستانفورد الدولي للذكاء الاصطناعي إلى أن معدل تركز المواهب والعلماء المتخصصين في هذا القطاع داخل دولة الإمارات قد نما بنسبة مذهلة بلغت 121%، وهي أعلى نسبة نمو يتم تسجيلها على مستوى العالم، متفوقة على أسواق تكنولوجية ضخمة مثل الهند.
الثانية عالمياً في صافي تدفق واستقطاب العقول
ويتزامن النمو في معدل تركز المواهب والعلماء في القطاع مع قدرة الدولة العالية على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والعقول الفذة، حيث حلت الإمارات في المرتبة الثانية عالمياً في صافي تدفق واستقطاب العقول والكوادر المتخصصة بالذكاء الاصطناعي بالنسبة لعدد السكان وفقاً لبيانات شبكة "لينكد إن" الاقتصادي العالمية، مدعومة بمنظومة تشريعية مرنة وتأشيرات إقامة طويلة الأمد مخصصة للمبتكرين والمبرمجين.
ويرتكز الزخم البشري بالأساس على تدفقات مالية ضخمة وبنية تحتية رقمية فائقة القدرة، حيث يوضح مؤشر ستانفورد أن الاستثمارات الخاصة التراكمية في قطاع الذكاء الاصطناعي داخل الإمارات تجاوزت 4.24 مليار دولار أمريكي، مما وفر الملاءة المالية اللازمة لبناء وتطوير نماذج الحوسبة الفائقة.
صدارة مطلقة في مؤشرات الجاهزية الرقمية
وانعكس الاستثمار الضخم مباشرة على الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية في سويسرا، والذي منح الإمارات الصدارة المطلقة في مؤشرات الجاهزية الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات في الخدمات الحكومية وصنع القرار، وهو ما أسهم في تحويل المنظومة الإدارية والتنفيذية في الدولة إلى بيئة رقمية مؤتمتة بالكامل، تمتلك القدرة على قراءة البيانات وتحليلها لتقديم خدمات استباقية تلبي تطلعات المجتمع واحتياجات المستثمرين قبل طلبها.
ولم تقف الطموحات الإماراتية عند حدود استيراد البرمجيات، بل ذهبت نحو تطوير سيادة تكنولوجية كاملة تضمن لها الاستقلالية في اتخاذ القرار الرقمي، وهو ما تجسد في المشاريع البحثية الطموحة التي يقودها معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي، والذي نجح في إطلاق سلسلة نماذج "فالكون" اللغوية الضخمة المفتوحة المصدر.
هذه النماذج باتت تنافس الأنظمة الذكية المطورة في كبرى الشركات العالمية، وتميزت بقدرتها العالية على معالجة البيانات بكفاءة مع مراعاة الخصوصية الثقافية واللغوية العربية، مما يثبت أن الرؤية الإماراتية لم تكن تهدف إلى ملاحقة التطور التكنولوجي فحسب، بل إلى المشاركة الفعلية في صياغة معاييره الدولية وتقديم بدائل تقنية تخدم المجتمع العلمي العالمي.
ولضمان ديمومة هذه الريادة وصناعة أجيال قادرة على قيادة اقتصاد المعرفة، نفذت الدولة تحولاً جذرياً في منظومتها التعليمية والتدريبية من خلال دمج علوم البيانات والخوارزميات والمناهج التطبيقية كأدوات أساسية وإلزامية في التعليم العام من مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر، بالتوازي مع حملات وطنية شاملة لتأهيل وتدريب أكثر من 80 ألف موظف حكومي على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيل.
ومن شأن هذه البنية التعليمية والتدريبية المتكاملة ضمان بقاء الكادر البشري المواطن والمقيم في أعلى مستويات الجاهزية الرقمية، وتجعل من مدن الدولة مثل دبي وأبوظبي مختبرات حية لتقنيات الجيل القادم، وهو ما أكدته التقارير الدولية التي صنفت هذه المدن في صدارة مؤشرات المدن الذكية عالمياً.
معادلة تنموية فريدة
إن التحليل الرقمي والبنيوي لقطاع التكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات يؤكد أن الدولة نجحت في صياغة معادلة تنموية فريدة تقوم على الاستثمار الاستباقي في البنية التحتية والعقول، وامتلاك أدوات الإنتاج المعرفي السيادي.
ولم تعد التجربة الإماراتية مجرد تجربة نجاح محلية، بل أصبحت نموذجاً دولياً يثبت أن التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، المدعوم بالاستثمار البشري والمالي السخي، هو المسار الحتمي الوحيد للتحول من دولة تواكب العصر إلى دولة تسهم بفعالية في توجيه بوصلته وصياغة ملامح المستقبل الرقمي العالمي.