الناس يمشون في سوق بورو بلندن بريطانيا (رويترز)
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 / 14:20
يدخل الشباب البريطانيون سوق العمل وهم أمام معادلة أصعب من تلك التي واجهها آباؤهم: دولة مثقلة بالديون، مجتمع يتجه نحو الشيخوخة، نمو اقتصادي ضعيف، وبطالة مرتفعة بين الشباب، فيما يصبح امتلاك منزل أكثر بعداً عن قدراتهم المالية.
هذه الحالة فسرها ديفيد سميث، الكاتب في صحيفة "تايمز" والمحرر الاقتصادي في "صنداي تايمز"، محذراً من أن "السياسات المالية الحالية والتحولات الديموغرافية تضع الأجيال الشابة أمام ضغوط معيشية متزايدة خلال العقود المقبلة".
وفي قلب المشكلة تقف ديون الحكومة البريطانية البالغة 4 تريليونات دولار، بعدما تضاعفت بأكثر من مرتين خلال 12 عاماً، وارتفعت بأكثر من الثلثين مقارنة بمستواها قبل جائحة كورونا.
الدين يلتهم الإيرادات
ولا تكمن المشكلة في حجم الدين وحده، بل في فاتورة خدمته. ووفق تقرير لـ"معهد أبحاث السياسات العامة"، استند إليه سميث، تتجه فوائد الدين العام إلى استنزاف 21% من الإيرادات الحكومية خلال الخمسين عاماً المقبلة، مقارنة بـ9% حالياً، فيما تصل النسبة إلى 47% في السيناريو الأسوأ.

والضغط قائم بالفعل، إذ أنفقت الحكومة البريطانية 147 مليار دولار، على فوائد الدين خلال السنة المالية 2025-2026، بما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي و8% من الإنفاق العام، وفق بيانات مجلس العموم (البرلمان).
وفي الوقت ذاته، تبلغ نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي 94.9%، مقارنة بـ35% في 2007-2008، بعد سنوات شهدت الأزمة المالية العالمية ثم النفقات الضخمة لمواجهة جائحة كورونا.
مجتمع يشيخ.. وفاتورة تكبر
ومع تضخم فاتورة الدين، تواجه الخزانة ضغطاً آخر مصدره شيخوخة السكان. فارتفاع أعداد كبار السن يعني إنفاقاً أكبر على معاشات التقاعد والرعاية الصحية، وبالتالي منافسة أشد على الموارد الحكومية المتاحة للأجيال الأصغر. ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة صعبة: تمويل التزاماتها تجاه المتقاعدين، وفي الوقت نفسه توفير التعليم والسكن والدعم وفرص العمل للشباب.
أوروبا تواجه "صدمة غاز" في ظل ارتفاعات قياسية للأسعار - موقع 24تجد القارة الأوروبية نفسها مجدداً أمام تحديات أسعار الطاقة، التي عادت لتسجل ارتفاعات قياسية، وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023.
ولهذا دعا معهد "أبحاث السياسات العامة" إلى إعادة النظر في النظام الضريبي، عبر تخفيف العبء عن الشباب وزيادة الضرائب على العقارات والثروات. لكن سميث يرى أن تطبيق مثل هذه التحولات ليس سهلاً في ظل الالتزامات القائمة لنظام التقاعد.
الشباب في سوق عمل محدود
ويصل الضغط إلى الشباب مباشرة عبر سوق العمل. لا سيما أن معدل البطالة ارتفع بينهم إلى 16.2%، مسجلاً أعلى مستوى في 11 عاماً، فيما يوجد نحو مليون شاب بريطاني خارج العمل أو التعليم أو التدريب.
ويأتي ذلك في اقتصاد فقد الكثير من زخمه. فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفع 8% فقط خلال السنوات الـ18 الماضية، بمعدل يقل عن 0.5% سنوياً، مقابل نمو 43% خلال السنوات الـ18 السابقة و53% في الفترة المماثلة التي سبقتها.
وتظهر الفجوة بين الأجيال بصورة أكثر وضوحاً عند باب المنزل. فبحسب "فايننشال تايمز"، ارتفع متوسط أسعار المنازل 152% خلال العشرين عاماً المنتهية في 2015-2016، بينما لم يرتفع صافي دخل الأسر للفئة العمرية بين 25 و34 عاماً سوى 22%.
انتعاش حذر في سوق العمل البريطاني يعزز آمال تحسن الاقتصاد - موقع 24أظهرت سوق العمل البريطانية أولى الإشارات الواضحة على عودة النشاط إلى التوظيف بعد فترة طويلة من التراجع، في مؤشر جديد على تحسن حذر في ثقة الشركات والاقتصاد، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الاقتراض والطاقة وعدم اليقين بشأن السياسات الحكومية.
وهنا تتجاوز القضية ارتفاع الأسعار إلى تحول اقتصادي أوسع: الجيل الذي يجد صعوبة أكبر في الحصول على وظيفة جيدة، ويحمل بعض أفراده ديوناً دراسية، يدخل أيضاً سوقاً عقارية ارتفعت أسعارها بوتيرة تفوق نمو دخله بأضعاف.
ولا تقف الفجوة عند بريطانيا. فبحسب "فايننشال تايمز"، يواجه أبناء جيل الألفية في إيطاليا وإسبانيا واليونان مستويات دخل أدنى بكثير مما حققته الأجيال السابقة في العمر ذاته.