مخدرات بالمليارات تعبر المحيط الهادئ
مخدرات بالمليارات تعبر المحيط الهادئ
الجمعة 11 سبتمبر 2026 / 16:19

طريق الكوكايين العائم.. القصة الكاملة لخط التهريب الأغلى عالمياً

رداً على اتساع نطاق تجارة المخدرات عبر المحيط الهادئ، خصّصت الحكومة الأسترالية 600 مليون دولار أسترالي لتكثيف الدوريات الجوية والبحرية وتقويض شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

تستغل شبكات التهريب جغرافية المنطقة لصالحها، نظراً لكون دول جزر المحيط الهادئ تملك مساحات بحرية شاسعة تُعرف بـ (المناطق الاقتصادية الخالصة)، وهي أكبر بكثير من مساحة أراضيها البرية، لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى الموارد والقدرات اللازمة لحماية هذه المساحات البحرية الهائلة ومراقبتها.

وتخصص الخطة الحكومية 49 مليون دولار أسترالي للشرطة الفيدرالية لتطوير برامج جديدة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود، و312 مليون دولار أسترالي لوزارة الدفاع على مدى 10 سنوات لدعم هذه الجهود.

ويُعزى هذا الإجراء إلى القفزة الحادة في أنشطة التهريب، حيث أظهرت أرقام الشرطة الفيدرالية الأسترالية الصادرة في مايو (أيار) مصادرة 17 طناً من المخدرات (معظمها كوكايين) في المحيط الهادئ خلال الأشهر الأولى من 2026، مقابل أقل من 5 أطنان صودرت طوال عام 2025.

طريق عائم للمخدرات

​ويُبيّن تحليل حديث أعدّه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن المحيط الهادئ بات يشكّل محطة عبور ومقصداً نهائياً لتهريب المخدرات، مع وصول شحنات الكوكايين والميثامفيتامين إلى أستراليا ونيوزيلندا، حيث تحقق أسعاراً من بين الأعلى عالمياً.

وتصل قيمة تجارة المخدرات غير المشروعة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بحسب تقديرات المركز المستندة إلى بيانات 2019، إلى ما بين 30.3 و61.4 مليار دولار. 

وتتشارك في هذه التجارة شبكة معقدة تتداخل فيها عصابات إجرامية صينية وآسيوية، وكارتلات مكسيكية وأمريكية جنوبية، إلى جانب عصابات محلية وجماعات جريمة منظمة في أستراليا ونيوزيلندا.

وتشير الشرطة الفيدرالية الأسترالية إلى أن معظم المخدرات التي يجري تهريبها إلى المحيط الهادئ أو عبره تكون وجهتها النهائية أستراليا، ما يجعل المنطقة حلقة وصل بين مراكز الإنتاج في الأمريكتين والأسواق ذات الطلب المرتفع في جنوب المحيط الهادئ.

اعتراض سفينة مرتبطة بتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ (رويترز)

مساحة هائلة.. بلا رقيب

تستغل شبكات التهريب جغرافية المنطقة لصالحها، نظراً لكون دول جزر المحيط الهادئ تملك مساحات بحرية شاسعة تُعرف بـ (المناطق الاقتصادية الخالصة)، وهي أكبر بكثير من مساحة أراضيها البرية، لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى الموارد والقدرات اللازمة لحماية هذه المساحات البحرية الهائلة ومراقبتها.

ووفق تقديرات CSIS، تبلغ المنطقة الاقتصادية الخالصة لكيريباتي 3.44 مليون كيلومتر مربع، أي أكثر من 4240 ضعف مساحة أراضيها، في حين تبلغ المنطقة الاقتصادية الخالصة لفيجي 1.29 مليون كيلومتر مربع، بما يعادل 70 ضعف مساحتها البرية.

ولتدارك نقص إمكانياتها في مراقبة سواحلها ومياهها، تستعين دول المحيط الهادئ بالولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، إلا أن بطء تبادل المعلومات وضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية يعوقان مواجهة شبكات الجريمة العابرة للحدود.

غواصات وطائرات.. ومخزن في البحر

تعتمد شبكات التهريب خططاً متعددة للتخفي، فتارة تنقل الغواصات الصغيرة أطنان الكوكايين نحو سواحل نائية، وتارة تتسلل الطائرات الصغيرة ليلاً على ارتفاعات منخفضة هرباً من الرادارات، فضلاً عن قوارب النُّزَه الترفيهية التي يصعب الاشتباه بها في منطقة تعتمد اقتصادات دولها بدرجة كبيرة على السياحة.

كما تحولت بعض الجزر إلى نقاط لتخزين الكوكايين والميثامفيتامين قبل إعادة نقلها إلى أستراليا ونيوزيلندا، مستفيدة من بعد المسافات وضعف الرقابة.

ويشير مركز "CSIS" إلى أن هذه الجغرافيا تفتح الباب أمام تدفق المخدرات، وتزيد من تغلغلها داخل المجتمعات المحلية، فتؤدي إلى رفع معدلات الإدمان والجريمة والفساد، وتشكّل ضغطاً كبيراً على قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية. 

ففي جزر "تونغا"مثلاً تعود 40% من حالات دخول مستشفيات الصحة النفسية إلى تعاطي المخدرات.

تقرير صادم: 316 مليون شخص يتعاطون المخدرات حول العالم - موقع 24ارتفع عدد متعاطي المخدرات حول العالم إلى 316 مليون شخص، وفقًا لتقرير حديث صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 28% خلال العقد الماضي. وتشير هذه الزيادة إلى أن وتيرة تعاطي المخدرات باتت تفوق معدل نمو سكان العالم.

الطلب الأسترالي يغذي الطريق

يترافق تزايد تدفق المخدرات مع ارتفاع كبير في الطلب داخل أستراليا ونيوزيلندا، حيث كشف تحليل أوروبي لعام 2026 شمل 28 دولة أن سكّان البلدين يتصدرون أعلى معدلات الاستهلاك للفرد من الكوكايين والميثامفيتامين والأمفيتامين و"إم دي إم إيه". 

ووفق "ذا كونفرسيشن"، نجحت عصابات الجريمة المنظمة الأسترالية والنيوزيلندية خلال العقد الماضي في تثبيت أقدامها داخل جزر المحيط الهادئ، مكوّنة تحالفات جديدة مع كارتلات أمريكا الجنوبية والمكسيك. 

ونتيجة لذلك تحوّل المحيط الهادئ من مجرد ممر إلى ركن أساسي في اقتصاد إجرامي متكامل، يُستغل لتخزين الشحنات ونقلها، مدفوعاً بأسعار استثنائية وطلب مرتفع يُغري شبكات التهريب بإبقاء هذا الخط يعمل بكفاءة.

وتتطلع أستراليا عبر استثمارها الجديد إلى تعزيز قدرة دول المنطقة على المراقبة والتنسيق واعتراض الشحنات، لكن حجم السوق يربك المشهد ويجعل المهمة أكثر تعقيداً. 

لذلك يؤكد تحليل "CSIS" أن دولة واحدة لن تتمكن بمفردها من إنهاء تجارة المخدرات في المحيط الهادئ، ما يفرض التعاون الإقليمي كشرط للنجاح.