تتسب مراكز الـ Ai في نشأة "الجُزر الحرارية للبيانات"
تتسب مراكز الـ Ai في نشأة "الجُزر الحرارية للبيانات"
الأحد 12 يوليو 2026 / 14:44

خاص 24| مخاطر تأمينية.. موجات الحر تُربك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي

تواجه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ضغوطاً مُتزايدة في ظل ارتفاع حرارة الجو وتسجيلها مستويات قياسية تتجاوز 44 درجة مئوية، في وقتٍ تتسابق فيه شركات التكنولوجيا العملاقة على ضخ مئات المليارات من الدولارات لتوسيع بنيتها التحتية واستيعاب الطلب المتنامي على تطبيقات العصر الرقمية.

80% من مراكز البيانات معرضة لمخاطر المناخ، و54% منها تواجه حرارة وجفافاً مزمناً

لكن العلاقة ليست في اتجاه واحد؛ إذ لا تقتصر موجات الحر على تهديد عمل مراكز البيانات، بل تقف هذه المنشآت العملاقة أيضاً خلف تكوين "جُزر حرارية" ترفع درجات الحرارة في المناطق المحيطة بها، ما يفتح نقاشاً جديداً حول البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي في عصر يتسارع فيه تغير المناخ.

في هذا السياق، يقول حسين العمري، أستاذ علوم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون بكاليفورنيا لـ "24"، إن صناعات الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة مختلفة تماماً لم يعد بطلها "الرقائق الإلكترونية"، بل القدرة على إبقاء هذه المراكز ذاتها ضمن درجات حرارة "آمنة"، ويُضيف: "كلما ازدادت قوة نماذج الذكاء الاصطناعي، ازدادت كمية الحرارة التي يجب التخلص منها".

وبحسب العمري، فإن درجة الحرارة المرتفعة حولت أنظمة التبريد من عنصر مساعد إلى جزء أساسي من البنية التحتية لصناعة الذكاء الاصطناعي، وأن العجز عن تبديد هذه الحرارة يعني انخفاض كفاءة تشغيل الأنظمة، ما يُعني أن المناخ لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في تكلفة واستدامة صناعة الذكاء الاصطناعي.

مراكز البيانات تزيد من حرارة المُدن

في المقابل، لم يعد تأثير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مقتصراً على استهلاك الكهرباء أو زيادة الضغط على شبكات الطاقة، بل تشير أبحاث حديثة إلى أنها أصبحت جزءاً من معادلة ارتفاع درجات الحرارة نفسها، عبر ما يعرف بتأثير "الجزر الحرارية للبيانات Data Heat Island Effect".

لفهم هذه الظاهرة، حلل الباحثون بيانات درجات حرارة سطح الأرض حول أكثر من 6000 مركز بيانات حول العالم باستخدام صور الأقمار الصناعية الممتدة على مدار عقدين، وتوصلوا إلى أن تشغيل مركز بيانات ضخم يؤدي، في المتوسط، إلى ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض المحيط بنحو "درجتين" مئويتين بعد بدء تشغيله.

فيما سجلت بعض المواقع ارتفاعات وصلت إلى 9.1 درجات مئوية، ما يعادل 16.4 درجة فهرنهايت. وربطت الدراسة هذه الظاهرة بتأثر أكثر من 340 مليون شخص في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا بارتفاعات محلية في درجات الحرارة.

وفي تجربة أخرى، أقبل باحثون على قياس درجات الحرارة حول أربعة مراكز بيانات في مدينة "فينيكس" بولاية أريزونا الأمريكية، تراوحت قدرتها بين 36 و169 ميجاواط، حيث وجدوا أن هذه المنشآت تطلق حرارة تعادل ما تنتجه 40 ألف منزل.

استثمارات مُتنامية في مُناخ ساخن

المفارقة أن صناعة الذكاء الاصطناعي تتوسع بأقصى سرعة في الوقت نفسه الذي تزداد فيه الضغوط المناخية على بنيتها التحتية، إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة، إلى أن النفقات الرأسمالية لأكبر شركات التكنولوجيا تخطت 400 مليار دولار خلال 2025، مع توقعات بارتفاعها 75% إضافية خلال العام الحالي.

تلفت التقديرات أيضاً إلى ارتفاع كثافة الطاقة في خوادم الذكاء الاصطناعي 11 ضعفاً بين عامي 2020 و2025، ومن المتوقع أن ترتفع أربعة أضعاف أخرى بحلول عام 2027، على أن تُمثل قرابة 3 % من الطلب العالمي على الكهرباء. وتوضح الوكالة الدولية للطاقة، أن رف "خوادم" واحد داخل مركز بيانات متطور قد يستهلك في أوقات الذروة كهرباء تعادل استهلاك 65 منزلاً بحلول 2027.

عن ذلك، يُشدد الخبير اللبناني في تكنولوجيا المعلومات بشير التغريني، في حديثه لـ"24"، على ضرورة توسع استثمارات شركات مثل: "أوبن إيه أي" و"مايكروسوفت" و"إنفيديا" و"سبيس إكس"، و"ميتا" و"غوغل"، في أنظمة تبريد متطورة وآمنة ونظيفة بلا انبعاثات.

ويلفت التغريني، إلى أن استمرار الاحترار العالمي سيدفع الشركات إلى إعادة رسم خريطة مراكز البيانات عالمياً، بحيث تصبح اعتبارات المناخ وتوافر المياه والطاقة عوامل لا تقل أهمية عن سرعة الاتصالات أو أسعار الأراضي.

ووفق دراسة حديثة أجرتها شركة "First Street"، فإن نحو 79% من القدرة الاستيعابية لمراكز البيانات حول العالم تقع في مناطق معرضة لمخاطر مناخية تشمل الفيضانات والحرائق والرياح العاتية، وأن 54% من هذه القدرة تقع في مناطق تواجه مخاطر مزمنة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة أو الجفاف أو الإجهاد المائي.

علاوة على ذلك، توضح دراسة أجرتها شركة "MS Amlin"، أن 56% من مشروعات مراكز البيانات الجديدة في الولايات المتحدة تقع في ولايات مصنفة عالية المخاطر مناخياً، بما يشمل الأعاصير والعواصف والبرد والزلازل، ما يعرض استثمارات تقارب 800 مليار دولار لمستويات مرتفعة من المخاطر التأمينية.