صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
السبت 11 يوليو 2026 / 00:41

"النزيف الصامت".. كيف يُهدر العالم 25 تريليون يورو سنوياً؟

رغم الأرقام التي تعكس نمو الاقتصاد العالمي، تشير تقديرات حديثة إلى أن "نزيفاً صامتاً" من القيمة الاقتصادية يُفقد سنوياً بسبب طريقة الإنتاج والاستهلاك السائدة، التي لا تزال تعتمد على نموذج خطي يقوم على استخراج الموارد واستخدامها ثم التخلص منها.

يقدر تقرير Circularity Gap Report 2026، أن الاقتصاد العالمي يخسر قيمة تقديرية تبلغ 25.4 تريليون يورو (29.7 تريليون دولار)، بهامش 4.7 تريليونات يورو صعوداً أو هبوطاً، بسبب ما يصفه التقرير بـ"الاستخدام الخطي للمواد". وتمثل هذه القيمة ما يقارب 31% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في وقت لا تتجاوز فيه حصة المواد المعاد استخدامها أو الثانوية 6.9% من إجمالي المواد الداخلة إلى الاقتصاد العالمي.
التقرير لا يتحدث عن النفايات باعتبارها مشكلة بيئية فقط، بل باعتبارها خسارة اقتصادية، إذ تقيس مؤشرات الناتج المحلي ما يُنتج ويُباع، لكنها لا تعكس دائماً القيمة التي تُهدر خلال مراحل الإنتاج والاستهلاك.

ويقول الدكتور كميل الساري، أستاذ الاقتصاد بجامعة السوربون، لـ"24"، إن أهمية التقرير تكمن في تسليط الضوء على جانب لا تلتقطه مؤشرات النمو التقليدية، موضحاً أن الناتج المحلي "يركز على قيمة ما ينتجه الاقتصاد، لكنه لا يأخذ بالقدر نفسه ما يُتلف أو يُفقد أثناء عملية الإنتاج أو بعدها".
ويضرب الساري مثالاً بالصناعة، إذ يمكن لشركة سيارات أن تعلن إنتاج عدد معين من المركبات، بينما لا يظهر في الرقم النهائي كل ما تم إهداره أثناء التصنيع، سواء بسبب مكونات لا تدخل المنتج النهائي أو بسبب معايير الجودة أو الفاقد الصناعي، موضحاً أن الصورة أوضح في الزراعة لأن محصولاً كاملاً قد يتعرض للتلف بفعل البرد أو موجات الحر أو العواصف، دون أن يظهر ذلك دائماً بوصفه "خسارة اقتصادية" في طريقة قراءة النمو.

خمسة ثقوب في الاقتصاد

يحدد تقرير Circularity Gap خمسة مسارات رئيسية تتسرب منها القيمة، أولها خسائر المعالجة والإنتاج، وتبلغ نحو 904 مليارات يورو (ما يعادل نحو 1.06 تريليون دولار)، وثانيها خسائر الطاقة، وهي الأكبر تقريباً عند 8.7 تريليونات يورو(ما يعادل نحو 10.2 تريليونات دولار) أما فاقد الغذاء والهدر الغذائي فيقدره التقرير بنحو 651  مليار يورو (ما يعادل نحو 762 مليار دولار)، بينما تصل قيمة نفايات نهاية عمر المنتجات إلى نحو 10 تريليونات يورو (ما يعادل نحو 11.7 تريليون دولار)، إضافة إلى 5.2 تريليونات يورو (ما يعادل نحو 6.1 تريليونات دولار) من تدهور رأس المال الثابت، مثل المباني والآلات والبنية التحتية.
توضح هذه الأرقام أن المشكلة لا تبدأ عند وصول المنتجات إلى مكبات النفايات، بل تبدأ في مراحل مبكرة من تصميم المنتج والإنتاج، عندما لا يتم التخطيط للحفاظ على قيمته لأطول فترة ممكنة.
وفي حديثه لـ"24"، يشير الساري إلى أن جزءاً من المشكلة يرتبط بنموذج اقتصادي قائم على زيادة الإنتاج بشكل مستمر، حتى عندما يؤدي ذلك إلى فوائض يصعب تصريفها، موضحاً أن بعض القطاعات الزراعية في أوروبا شهدت في مراحل مختلفة وفرة كبيرة أدت إلى ضغط على الأسعار، ما دفع المنتجين إلى التعامل مع الفائض باعتباره عبئاً لا قيمة مضافة. ويضيف أن المشكلة في هذه الحالات ليست دائماً نقص الإنتاج، بل أحياناً فائضه.
ويستطرد أستاذ الاقتصاد بجامعة السوربون قائلاً: "إذا ارتفع العرض بشدة، انهارت الأسعار، وقد يجد المنتج نفسه يبيع بخسارة أو يتخلص من جزء من الإنتاج، وهنا تظهر مفارقة الاقتصاد الخطي: النظام ينتج كثيراً، لكنه لا يعرف دائماً كيف يحافظ على قيمة ما ينتجه".

إعادة التدوير لا تكفي

يوضح التقرير أن عملية إعادة التدوير لا تعتمد فقط على المرحلة الأخيرة في السلسلة، لأن الاقتصاد الدائري لا يعني فقط فرز القمامة، بل يعتمد على تصميم منتجات أطول عمراً وقابلة للإصلاح وإعادة التصنيع. 
وتشير رويترز، في قراءة حديثة للملف، إلى أن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أعادت الاقتصاد الدائري إلى النقاش الاقتصادي، خصوصاً في أوروبا، حيث تستعد بروكسل لقانون جديد للاقتصاد الدائري، وسط مطالب من الشركات بتوسيع الشراء العام الدائري، وتوفير أدوات مالية تقلل مخاطر الاستثمار في نماذج الأعمال الجديدة. وتلفت الوكالة إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال "عالقا في الخطية"، وأن المواد المعاد استخدامها لا تمثل سوى 6.9% من إجمالي المواد.
ويؤكد الساري، أن إعادة التدوير وحدها لا تكفي لأن الهدر يبدأ أحياناً قبل وصول السلعة إلى المستهلك، موضحاً أن هناك منتجات زراعية أو صناعية تُستبعد بسبب معايير الحجم أو الشكل أو الجودة، ليس لأنها غير قابلة للاستخدام ولكن لأنها تفقد قيمتها تجارياً بسبب عدم مطابقتها لمعايير السوق، رغم أنها لا تزال صالحة للاستهلاك أو الاستخدام. وأشار إلى أن ذلك يحدث لكثير من المنتجات، خصوصاً في الزراعة والغذاء.

الغذاء.. خسارة على الرف وفي المنزل

في مجال الغذاء، تتضح الصورة بشكل أكبر لأن الخسارة أكثر قرباً من الحياة اليومية، إذ يُهدر جزء كبير من الطعام في سلاسل التوزيع والمحال والمنازل، لأسباب مختلفة، إما أنه فسد، أو تجاوز تاريخ الصلاحية، أو لم يعد طازجاً بما يكفي ليشتريه المستهلك. 
ويشير الساري إلى أن القارة العجوز شهدت خلال السنوات الأخيرة نماذج عملية لتقليل الهدر، منها تخصيص أرفف أو ثلاجات في المتاجر للمواد التي تقترب صلاحيتها من الانتهاء، وبيعها بخصومات قد تصل إلى 50%، بالإضافة إلى أن هناك جمعيات ومتاجر صغيرة تشتري أو تجمع هذه المواد وتعيد بيعها بأسعار منخفضة أو تمنحها للفئات الأكثر احتياجاً.
وعلى الرغم من أهمية تلك المبادرات، إلا أن الساري يرى أنها لا تحل المشكلة، لأن الهدر الغذائي لا يرتبط فقط بالمحال التجارية، بل أيضاً بسلوك المستهلك، وثقافة التخزين، وطريقة التعامل مع الطعام في المنازل والمطاعم. لذلك، فإن تقليص الخسارة يحتاج إلى تنظيم السوق من جهة، وتغيير سلوك الاستهلاك من جهة أخرى.

الطاقة.. الكلفة المخفية

خسائر الطاقة لا تقل أهمية، إذ يقدرها التقرير بتريليونات اليورو، ويقول الساري إن جزءاً كبيراً من الحلول ليس معقداً بالضرورة، موضحاً أن هناك تجارب ميدانية بفرنسا، مثل العمل على ترشيد استخدام المياه والكهرباء من خلال أدوات بسيطة تعمل على تقليل المياه، وأنظمة إضاءة أقل استهلاكاً، مضيفاً أن الاستثمار قد يكون مرتفعاً في البداية، لكنه يتحول لاحقاً إلى وفر حقيقي بسبب انخفاض استهلاك الطاقة.
ويحذر الساري من أن انخفاض أسعار بعض الموارد أو دعمها بشكل كبير يؤدي إلى الإفراط في استخدامها، موضحاً أنه كلما شعر المستهلك أن الماء أو الكهرباء أو الغاز رخيص جداً، كلما تراجعت حوافز الترشيد، مؤكداً أن هذا لا يظهر فقط في الدول الغنية، ولكن أيضاً في دول تعتمد على دعم الطاقة والمياه، إذ يتحول السعر المنخفض إلى تشجيع غير مباشر على الهدر.

موارد أكثر.. نفايات أكثر

ويقدم تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن الموارد العالمية 2024 صورة أوسع وأكثر قلقاً لهذه الأزمة، إذ يحذر من أن استخراج الموارد قد يرتفع 60% بحلول 2060 مقارنة بمستويات 2020 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، ما يعني أن العالم لا يهدر فقط ما ينتجه، ولكنه يتجه إلى استخراج المزيد لتعويض نموذج لا يحتفظ بالقيمة طويلاً.
في الوقت نفسه يقدر البنك الدولي في تقرير  What a Waste 3.0، أن النفايات العالمية قد ترتفع من 2.56 مليار طن في 2022 إلى 3.86 مليارات طن بحلول 2050 إذا استمر الاتجاه الحالي كما هو. وهذا يعني أن كلفة الاقتصاد الخطي مرشحة للتوسع لا الانكماش، ما لم تتغير طريقة الإنتاج والاستهلاك.

هل يخفض الاقتصاد الدائري التضخم؟

وحول إمكانية تخفيض التضخم من خلال الاقتصاد الدائري، يقول الساري إن هذا التحول يحتاج إلى مزيج من الترشيد والتحفيز والتنظيم، مضيفاً أن الشركات تحتاج إلى دعم حتى لا يصبح التخلص من المواد أسهل من إعادة استخدامها، كما أن المستهلك يحتاج إلى معلومات واضحة، والدول إلى سياسات استباقية لمواجهة الحرارة والجفاف والتصحر التي تزيد تلف المحاصيل وترفع كلفة الإنتاج.

الإمارات.. نموذج عملي للاقتصاد الدائري

وتشهد الإمارات تجربة فريدة في هذا المجال، إذ تمثل استراتيجية دبي المتكاملة لإدارة النفايات 2021-2041 نموذجاً عملياً لربط الاقتصاد الدائري بالتنمية الحضرية، إذ اعتمد المجلس التنفيذي لإمارة دبي تلك الاستراتيجية عام 2022 بموازنة تبلغ 74.5 مليار درهم، منها 70.5 مليار درهم مساهمة مباشرة من القطاع الخاص، بهدف تشجيع الابتكار في إدارة النفايات والتدوير وتحويل النفايات إلى طاقة. 

الاستراتيجية الإماراتية تستهدف خفض إنتاج النفايات بنسبة 18%، وتحويل 100% من منها بعيداً عن المكبات بحلول عام 2041، بالإضافة إلى تعزيز فرز النفايات من المصدر ورفع جودة المواد التي يُعاد تدويرها، وهذا ما يجعل إدارة النفايات جزءاً من اقتصاد الموارد.