الخميس 16 يوليو 2026 / 19:23

"نسيج" تقود التحول.. كيف تبني الإمارات اقتصاداً دائرياً للمنسوجات؟

24 ـ هديل عادل، ولاء عبدالله

أخذت مبادرة "نسيج"، التي أُطلقت بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، في يونيو (حزيران) 2026، زخماً جديداً بعد توقيع 14 مذكرة تفاهم استراتيجية، ليرتفع عدد شركائها إلى أكثر من 35 جهة ومؤسسة من القطاعين الحكومي والخاص، في خطوة تستهدف بناء منظومة وطنية لإعادة تدوير المنسوجات وتحويلها إلى مورد اقتصادي.

وتعمل "نسيج" وفق نموذج يبدأ بتنفيذ مشاريع تجريبية، تشمل جمع المنسوجات وفرزها وإعادة استخدامها وتدويرها، وصولاً إلى تسويقها وإعادتها إلى دورة الإنتاج، قبل التوسع التدريجي في تطبيق هذه النماذج على المستوى الوطني.

وشملت المرحلة الأولى مشاريع لاستعادة المنسوجات من قطاع التجزئة، وإعادة تدوير الزي المدرسي، وبرامج لجمع المنسوجات من المجمعات السكنية، بهدف اختبار النماذج التشغيلية، وبناء قاعدة معرفية تدعم التوسع المستقبلي.

كما يجري العمل على تطوير برامج وطنية لإدارة الزي الموحد، في القطاعات الأعلى استخداماً للمنسوجات، مثل الضيافة والطيران والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية، بما يعزز دمج مبادئ الاقتصاد الدائري في سياسات الشراء والإدارة المستدامة للمنسوجات.

بالتوازي مع ذلك، أطلقت المبادرة أولى فعالياتها المجتمعية "نسيج الفرص" في ياس مول في إمارة أبوظبي، ضمن جهود تستهدف رفع الوعي وتشجيع الأفراد على المشاركة في إعادة تدوير المنسوجات، مع خطط لتوسيع هذه الفعاليات في مختلف إمارات الدولة.

المنسوجات في الإمارات بالأرقام 

تكشف بيانات منصة "نسيج" عن حجم الفرصة الاقتصادية في هذا القطاع، "إذ يستهلك سكان الإمارات نحو 500 مليون قطعة نسيج سنوياً، بينما يجري التخلص من نحو 220 ألف طن من المنسوجات كل عام، ينتهي قرابة 88% منها إلى مطامر النفايات، ما يعني فقدان كميات كبيرة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام والتدوير".

وتشير البيانات أيضاً إلى أن "نحو 60% من الملابس نادراً ما تُستخدم، بينما يُتخلص من قرابة نصفها خلال عام واحد فقط، في حين يرى 57% من المستهلكين أن صناعة الأزياء ذات تأثير إيجابي، رغم ما يرتبط بها من استهلاك مرتفع للموارد الطبيعية، وإنتاج كميات كبيرة من النفايات"، بحسب منصة مبادرة "نسيج".

بناء سلسلة قيمة جديدة

تأتي المبادرة، بدعم ومتابعة من مكتب المشاريع الوطنية التابع لديوان الرئاسة، وبالتعاون مع وزارة الاقتصاد والسياحة، ومؤسسة الإمارات، ومجموعة تدوير، إلى جانب شبكة من الشراكات الاستراتيجية تضم أكثر من 35 جهة، بهدف تطوير سلسلة قيمة متكاملة، تبدأ بجمع المنسوجات، وتنتهي بإعادة تصنيعها وتسويقها.

وترى الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، في تصريحات لـ24، أن التحول نحو الاقتصاد الدائري، يمثل فرصة اقتصادية قبل أن يكون توجهاً بيئياً، موضحة أن إعادة تدوير المنسوجات تسهم في خفض تكاليف الإنتاج، وتقليل الاعتماد على المواد الخام الجديدة، بما يرفع كفاءة استخدام الموارد، ويزيد القيمة الاقتصادية للمواد المستعملة.

وأضافت أن هذه المنظومة تفتح المجال أمام صناعات جديدة، وفرص استثمارية واعدة، وتسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية، بالتوازي مع الحد من الأثر البيئي لقطاع المنسوجات.

نجاح الصناعة مرتبط بالسوق

وتؤكد رمسيس أن نجاح قطاع إعادة تدوير المنسوجات، يعتمد على مواءمة المنتجات مع احتياجات السوق، مشيرة إلى أن اختلاف تفضيلات المستهلكين، وضمان جودة المنتجات المعاد تدويرها، وتوفير قنوات توزيع فعالة، تمثل عناصر أساسية لضمان استدامة هذه الصناعة.

وأضافت أن بناء سوق متخصصة للمنتجات المعاد تدويرها، يتطلب دراسات دقيقة للطلب، وتطوير منافذ بيع قادرة على تعزيز ثقة المستهلكين، بما يدعم نمو الاستثمارات في هذا القطاع.

وترى أن الإمارات تمتلك المقومات اللازمة لتصبح مركزاً إقليمياً للمنسوجات المستدامة، مستفيدة من بنيتها التحتية اللوجستية المتقدمة، وموقعها التجاري، وبيئتها الاستثمارية، وهو ما يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة للصادرات، ويعزز نمو الشركات المحلية، ويوفر فرص عمل نوعية.

المستهلك شريك في التحوّل

وأظهرت دراسة أجرتها هيئة البيئة – أبوظبي بالتعاون مع جامعة السوربون أبوظبي، نُشرت نتائجها في أغسطس (آب) 2025، وشملت أكثر من ألف مشارك من مختلف الفئات السكانية في الإمارة، أن 64% من المشاركين اتخذوا خطوات للحد من أثرهم البيئي خلال العام الماضي، فيما مارس 50% منهم إعادة تدوير مادة واحدة على الأقل، من بينها البلاستيك والورق والملابس.

كما بينت الدراسة أن 80% من المستهلكين مستعدون لتبني أنماط حياة أكثر استدامة، وأن توفير معلومات أوضح حول كيفية إعادة التدوير وأماكنها، إلى جانب المبادرات المجتمعية، يسهم في تعزيز الممارسات البيئية الإيجابية.

وتقول الدكتورة كريستين هيكت، الباحثة في جامعة السوربون أبوظبي، إن "توسيع نقاط جمع المنسوجات وتسهيل الوصول إليها من شأنه رفع معدلات المشاركة المجتمعية، وزيادة كميات المواد القابلة لإعادة التدوير، بما يدعم استدامة القطاع".

ولفتت عبر بودكاست "لنغير المسار" من إنتاج فيوليا في الشرق الأدنى والأوسط، أن توجه الإمارات نحو الاقتصاد الدائري يقوم على شراكة مؤسسية بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بما يعزز تطوير صناعات تعتمد على مواد أعيد تدويرها داخل الدولة، ويرسخ القيمة الاقتصادية للموارد المستعملة.