صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
الثلاثاء 21 يوليو 2026 / 18:08

الاقتصاد الإيراني يَترنَّحُ بين شحّ صادرات النفط وانهيار الريال

دفعت سلسلة متراكمة من العقوبات والقيود المالية والنفطية، امتدت لأكثر من أربعة عقود، الاقتصاد الإيراني إلى مواجهة واحدة من أشد مراحله صعوبة. ومع الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) 2026، ثم تشديد الحصار البحري على صادرات النفط، تسارع تراجع الريال وارتفعت الضغوط على الموازنة والأسعار والأجور.

خبير اقتصادي لـ"24": الـ6 مليارات تمنح إيران متنفساً من شهرين إلى 4 أشهر

العطيفي: استمرار الحصار يدفع طهران إلى خفض الدعم وطباعة النقود

منذ بداية يوليو (تموز)، فقد الريال قرابة 10% من قيمته، ووصل الدولار في 20 من الشهر نفسه إلى مستوى قياسي بلغ نحو 1.95 مليون ريال في السوق المفتوحة، بحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز". ويعيد تزامن انهيار العملة مع ارتفاع التضخم وتراجع إيرادات النفط إلى الواجهة احتمالات تجدد الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها إيران في نهاية 2025.

نافذة الـ6 مليارات

واستغلت إيران فترة التهدئة القصيرة لإرسال عشرات الناقلات المحملة بالنفط إلى آسيا قبل عودة الحصار الأمريكي.

وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال"، إن طهران صدرت نحو 70 مليون برميل بين منتصف يونيو (حزيران) ومنتصف يوليو 2026، بقيمة تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار.

وألغت وزارة الخزانة الأمريكية الإعفاء النفطي في 7 يوليو (تموز)، قبل إعادة فرض الحصار البحري في 13 من الشهر نفسه، وفقاً لـ"رويترز". وفي المقابل، يؤكد وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، استمرار الصادرات، قائلاً إن "طهران طورت آليات تسمح لها بمواجهة العقوبات".

لكن إيران لا تحصل بالضرورة على القيمة الكاملة لصادراتها، بسبب الخصومات المقدمة للمشترين وتكاليف الوسطاء ونقل الشحنات بين السفن، إضافة إلى القيود التي تعرقل إدخال العائدات إلى النظام المصرفي.

أربعة عقود من القيود

بدأت العقوبات الأمريكية الواسعة بعد أزمة الرهائن عام 1979، وتوسعت في التسعينيات لتشمل الاستثمار في النفط ومعظم أشكال التجارة الأمريكية مع إيران.

وفي 2012، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على النفط الإيراني، وفُصلت بنوك إيرانية عن شبكة "سويفت". وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، هبطت صادرات النفط الإيرانية حينها إلى أدنى مستوياتها منذ 1986، وتراجعت عائداتها من 95 مليار دولار في 2011 إلى 69 ملياراً في 2012.

وخفف الاتفاق النووي القيود في 2016، قبل أن تعود بعد انسحاب واشنطن منه في 2018 وانتهاء إعفاءات مشتري النفط في 2019. وفي فبراير (شباط) 2025، أعاد الرئيس دونالد ترامب سياسة "الضغط الأقصى"، مستهدفاً خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر.

وتكشف بيانات نقلتها "رويترز"، أن صادرات الخام والمكثفات الإيرانية هبطت في مايو (أيار) 2026 إلى أدنى مستوى منذ 6 أعوام على الأقل. وقدّرتها "فورتيكسا" بنحو 209 آلاف برميل يومياً و"كبلر" بـ260 ألفاً، مقابل 1.9 مليون برميل في مارس (آذار).

كم تكفي السيولة؟

يقول الدكتور محمد العطيفي، الخبير الاقتصادي، لـ"24"، إن حصول إيران على 6 مليارات دولار يمثل متنفساً مؤقتاً، وليس حلاً طويل الأمد، في ظل احتياجها إلى مليارات الدولارات شهرياً لتمويل واردات الغذاء والدواء والسلع الصناعية.

ويقدر العطيفي أن تكفي هذه السيولة للاحتياجات العاجلة لفترة تتراوح بين شهرين و4 أشهر، شريطة استمرار تصدير جزء من النفط إلى الصين أو عبر قنوات بديلة.

الطريق إلى "صفر النفط"

تنقل "وول ستريت جورنال" عن محللين تقديرات بأن استمرار الحصار بالوتيرة الحالية بين 4 و5 أشهر قد يخفض عائدات النفط الإيرانية إلى مستويات تقترب من الصفر.

وتقدر "أكسفورد إيكونوميكس" أن الحصار قد يحرم إيران من نحو 70% من دخلها التصديري، بينما مثلت الإيرادات النفطية نحو 35.1% من إجمالي مصادر موازنة 2025-2026، وفق مركز الإمارات للسياسات.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال 2026. ويقول العطيفي إن استمرار الحصار بين 6 و12 شهراً قد يدفع الحكومة إلى خفض الدعم وزيادة الاقتراض الداخلي وطباعة النقود وتأجيل بعض المشروعات. ويحذر من أن التمويل النقدي للعجز سيضعف الريال ويرفع التضخم.

الأجور والأسعار

لا توجد بيانات تثبت توقف رواتب موظفي الحكومة الإيرانية بشكل شامل، لكن تأخر الأجور سُجل في قطاعات عدة. ويبلغ عدد موظفي الدولة نحو 2.5 مليون شخص، وفق "أسوشيتد برس"، فيما وثقت منظمة "هرانا" تأخر أو عدم دفع الرواتب في 188 منشأة صناعية وخدمية خلال السنة الإيرانية المنتهية في مارس (آذار) 2026.

وأظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة 88.6% على أساس سنوي خلال الفترة من 22 مايو إلى 21 يونيو، بينما قدر البنك المركزي الزيادة بـ83.1%.

ويبلغ الحد الأدنى الشهري للأجور 166.25 مليون ريال، مقابل نحو 450 مليون ريال لتكلفة سلة المعيشة المقدرة للأسرة، ما يعني أنه يغطي نحو 37% من الاحتياجات الأساسية، فيما تراجعت قيمته وفق سعر الصرف الأخير إلى نحو 85 دولاراً.

وتعيد هذه الأوضاع إلى الأذهان احتجاجات البازار في ديسمبر (كانون الأول) 2025، حين أغلق التجار متاجرهم احتجاجاً على انهيار العملة وارتفاع الأسعار. ومع انخفاض عائدات النفط، ستعتمد قدرة طهران على الصمود على استمرار قنوات التصدير والوصول إلى عائداتها، أو اللجوء إلى خفض الإنفاق والدعم وتمويل العجز بطباعة مزيد من النقود.