صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي (24)
الأربعاء 22 يوليو 2026 / 19:18
لم يعد التقدم في العمر عبئاً على الاقتصاد، بل تحول في كثير من الدول إلى محرك لأسواق واستثمارات جديدة بمليارات الدولارات. يبرز في هذا السياق مصطلح "الاقتصاد الفضي" (Silver Economy)، الذي يزداد حضوره في السياسات الاقتصادية والدراسات الدولية مع تسارع التحولات الديموغرافية حول العالم.
ويُستخدم مصطلح "الاقتصاد الفضي" لوصف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بتقدم السكان في العمر. ووفق دراسة أعدتها مجموعة تكنوبوليس (Technopolis Group) بالشراكة مع أكسفورد إيكونوميكس (Oxford Economics) عام 2018، بتكليف من المفوضية الأوروبية. يشمل هذا المفهوم النشاط الاقتصادي المرتبط بالأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر، بما في ذلك المنتجات والخدمات التي يشترونها مباشرة، والنشاط الاقتصادي الناتج عن هذا الإنفاق.
ولا يقتصر هذا النشاط على الرعاية الصحية أو الخدمات الموجهة إلى كبار السن، بل يمتد إلى قطاعات تشمل الإسكان والغذاء والنقل والسياحة والترفيه والخدمات المالية والتأمين والتعليم والتكنولوجيا والخدمات الرقمية والرعاية طويلة الأجل.
كما أن مفهوم "الاقتصاد الفضي" لا يعتمد على عمر موحد. فبينما استخدمت منظمة الصحة العالمية في تقرير "الشيخوخة النشطة" (Active Ageing) الصادر عام 2002 سن 60 عاماً عند الحديث عن كبار السن، اعتمدت دراسة الاقتصاد الفضي الأوروبية سن 50 عاماً فأكثر لقياس النشاط الاقتصادي المرتبط بهذه الفئة، في حين يستخدم الجهاز الإحصائي للاتحاد الأوروبي يوروستات (Eurostat) سن 65 عاماً فأكثر في مؤشراته المتعلقة بالتركيبة العمرية للسكان.
أوروبا.. أسواق تتكيف مع مجتمع يتقدم في العمر
ويُعد الاتحاد الأوروبي من أبرز الجهات التي تبنت مفهوم "الاقتصاد الفضي" في دراساتها وسياساتها المرتبطة بالتحولات الديموغرافية. ووفق الدراسة التي أُعدت بتكليف من المفوضية الأوروبية عام 2018، يفتح تزايد أعداد الفئات الأكبر سناً فرصاً أمام الشركات لتطوير منتجات وخدمات في قطاعات تشمل: الصحة والإسكان والنقل والسياحة والتعليم والخدمات المالية والتكنولوجيا والرعاية طويلة الأجل.
وفي الأول من يناير(كانون الثاني) 2025، بلغ عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر في الاتحاد الأوروبي نحو 99 مليون شخص، بما يعادل 22% من إجمالي السكان، وفق إصدار "ديموغرافيا أوروبا 2026" (Demography of Europe 2026) الصادر عن يوروستات.
وتشير أحدث الإسقاطات السكانية التي نشرها يوروستات في 16 أبريل 2026 إلى أن نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر مرشحة للارتفاع من نحو 6% من سكان الاتحاد الأوروبي عام 2025 إلى نحو 16% بحلول 2100.
"اقتصاد طول العمر"
في الولايات المتحدة، تستخدم منظمة إيه إيه آر بي (AARP) مصطلح "اقتصاد طول العمر" (Longevity Economy) لقياس الأثر الاقتصادي للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر. وتعرّف المنظمة نفسها بأنها منظمة أمريكية غير ربحية وغير حزبية تُعنى بقضايا الأشخاص في سن الخمسين فأكثر وعائلاتهم.
ووفق تقرير آفاق اقتصاد طول العمر 2026" (Longevity Economy Outlook 2026) الصادر عن المنظمة، ولّد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر نشاطاً اقتصادياً بنحو 12.5 تريليون دولار خلال 2024، بما يعادل نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

كما دعم النشاط الاقتصادي المرتبط بهذه الفئة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، نحو 98 مليون وظيفة لعاملين من مختلف الأعمار، فيما تقدر المنظمة قيمة الرعاية غير المدفوعة والعمل التطوعي اللذين قدمهما الأشخاص في سن الخمسين فأكثر بنحو 1.2 تريليون دولار خلال 2024.
وتتوقع المنظمة ارتفاع المساهمة الاقتصادية للأشخاص في سن الخمسين فأكثر إلى نحو 24 تريليون دولار بحلول 2060.
التكنولوجيا في مواجهة الشيخوخة
تمثل اليابان أحد أبرز النماذج الآسيوية في التعامل مع الشيخوخة السكانية. ووفق التقرير السنوي عن مجتمع الشيخوخة لعام 2025 الصادر عن مكتب مجلس الوزراء الياباني، فعدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر 36.24 مليون شخص في أكتوبر 2024، بما يعادل 29.3% من إجمالي السكان.
وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى أنه بحلول 2070 سيكون نحو شخص واحد من كل 2.6 شخص في اليابان قد بلغ 65 عاماً فأكثر، فيما سيكون نحو شخص واحد من كل أربعة أشخاص قد وصل 75 عاماً فأكثر.
كما أظهر التقرير استمرار ارتفاع عدد العاملين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، مشيراً إلى أن عدد العاملين من هذه الفئة ارتفع للعام الحادي والعشرين على التوالي في 2024.
وفي قطاعي الصحة والرعاية طويلة الأجل، تتجه اليابان إلى توسيع استخدام التقنيات الرقمية والروبوتات والذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجية خدمات الرعاية، وفق السياسة الاقتصادية والمالية الأساسية للحكومة اليابانية.
الإمارات.. طب طول العمر الصحي
وفي الإمارات، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات رسمية في مجال طب طول العمر الصحي (Healthy Longevity Medicine)، كان أبرزها إطلاق دائرة الصحة – أبوظبي إطاراً تنظيمياً لترخيص مراكز طب طول العمر الصحي (Healthy Longevity Medicine Centres)، ووصفته بأنه الأول من نوعه عالمياً.
ويحدد الإطار التنظيمي متطلبات ترخيص هذه المراكز والخدمات التي تقدمها، وتشمل برامج تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض، والطب الدقيق، والخطط الصحية الشخصية، بما يهدف إلى إطالة سنوات الحياة الصحية.
وفي يناير 2025، أعلنت دائرة الصحة في أبوظبي ترخيص عيادة بورا لطول العمر (Pura Longevity Clinic)، التابعة لمجموعة "بيورهيلث"، لتكون أول مركز يحصل على ترخيص ضمن هذا الإطار التنظيمي.
وفي السياق نفسه، أطلقت دائرة الصحة "إعلان أبوظبي لطول العمر والطب الدقيق"، الذي يتضمن مبادئ للتعاون في مجالات أبحاث طول العمر، والطب الدقيق، والذكاء الاصطناعي، وتطوير الأطر التنظيمية والكفاءات المتخصصة.
وبحسب صحة أبوظبي، يُتوقع أن يرتفع حجم سوق طول العمر في الإمارات من حوالي 19 مليار دولار عام 2020 إلى نحو 32 مليار دولار في 2026.