الأحد 26 يوليو 2026 / 17:08

طفرة استثمارية.. "تكوين رأس المال الثابت" في الإمارات يقفز إلى 539 مليار درهم في 2025

ارتفع إجمالي رصيد تكوين رأس المال الثابت في الإمارات إلى نحو 539 مليار درهم (147 مليار دولار) في نهاية 2025، بنمو 30% مقارنة مع 2024، بحسب الأرقام الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء.

ويُقصد بـ"تكوين رأس المال الثابت" مجموع ما تنفقه الحكومة والقطاع الخاص على بناء الأصول الاستثمارية طويلة الأجل وتطويرها.

ولا يقتصر هذا المؤشر على بناء المصانع، والمستشفيات، والطرق، والمطارات فحسب، بل يمتد ليشمل الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع .

ويمثل هذا البند النواة الصلبة لتوسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ويميزه أنه يقيس الأموال الموجهة لصناعة المستقبل، بعيداً عن الإنفاق الاستهلاكي اليومي.

وبلغة الأرقام، فإن الارتفاع الكبير في بند تكوين رأس المال الثابت يترجم ضخ استثمارات رأسمالية يومية تقارب 1.47 مليار درهم طوال عام 2025، مما يمثل في مجمله إضافة أصول إنتاجية وبنية تحتية جديدة بقيمة تتجاوز 124 مليار درهم (33.8 مليار دولار) مقارنة بمستويات عام 2024.

ويبرهن هذا الزخم الاستثماري في الأصول الثابتة بصورة قطعية على نجاح الإمارات في زيادة وتيرة صفقاتها الاستثمارية الكبرى بمعدل الثلث خلال عام واحد فقط؛ وهو ما يضمن رفع حصة المساهمة غير النفطية في توليد الناتج المحلي الإجمالي.

ويؤكد المحلل الاقتصادي والمالي بدر سرحان، أن "نمو رأس المال الثابت  يشير إلى أن الإمارات لا تعتمد على العوائد النفطية التقليدية لحفظ توازنها المالي، بل توجه فوائضها و تستقطب رؤوس الأموال الضخمة لضخها في قطاعات حيوية جديدة مثل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية المتقدمة، والرعاية الصحية".

ويوضح أن "الزيادة المستمرة في بند رأس المال الثابت يبرهن  على الالتزام الحكومي بتطوير بنية تحتية للمستقبل، حيث يذهب الجزء الأكبر من تكوين رأس المال الثابت عادة لتوسيع شبكات اللوجستيات والمطارات والموانئ الذكية والمجمعات الصناعية المتطورة، مما يضمن للإمارات الحفاظ على تفوقها اللوجستي العالمي واستيعاب المزيد من الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الدولة مقراً إقليمياً لأعمالها".

ويشير إلى أن "هذا النوع من الاستثمار في الأصول الثابتة، مثل خطوط الإنتاج والإنشاءات الكبرى، يملك تأثيراً مضاعفاً في بنية الاقتصاد الوطني من خلال تحفيز مستدام للوظائف والإنتاجية، إذ يسهم في توليد آلاف فرص العمل عالية الكفاءة للمواطنين والمقيمين بشكل فوري، ويرفع من القدرة التنافسية التصديرية للمنتج المحلي الإماراتي على المدى الطويل".

وبحسب القراءة التحليلية المالية الاقتصادية، فإن القفزة المسجلة في رأس المال الثابت ينجسم مع مستهدفات استراتيجية الاستثمار 2031، مما يثبت أن الإمارات تسير بخطى أسرع من التوقعات لتطبيق رؤيتها الوطنية الهادفة لرفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر .

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي طلال المزروعي،: "أن ارتفاع تكوين رأس المال الثابت إلى 147 مليار دولار ليست وليدة الصدفة أو مجرد طفرة عابرة، بل هي نتاج هندسة تشريعية وبيئية متكاملة ومدروسة قامت بها حكومة الإمارات على مدار السنوات الماضية لتوفير ملاذ آمن ومستدام للمستثمرين".

ويوضح في قراءته للمشهد ،"أن هذه  القفزة الكبيرة في رأس المال الثابت ،تعد انعكاساً مباشراً للثقة  التي تتمتع بها الدولة، إذ إن المستثمر العالمي والمحلي لا يضخ أموالاً ضخمة في أصول ثابتة طويلة الأجل إلا إذا كان يمتلك يقيناً كاملاً باستقرار البيئة التشريعية، واستدامة النمو الاقتصادي، ووجود بيئة مرنة للأعمال تتسم بالشفافية وتخلو من التعقيدات البيروقراطية".

ويضيف أن ما نشهده اليوم يمثل تحولاً نوعياً في بنية الاستثمار الإماراتي، حيث لم يعد رأس المال الثابت مقتصراً على المباني والكتل الخرسانية والإنشاءات العقارية التقليدية، بل أصبح استثماراً كثيفاً في رأس المال المعرفي والأصول غير الملموسة والحلول الرقمية.

 ويرى أن المبادرات الحكومية الرائدة، مثل إتاحة تملك الأجانب للشركات بنسبة كاملة، وإطلاق الصناديق الاستثمارية الوطنية الداعمة للمشاريع الناشئة، وتأشيرات الإقامة الذهبية طويلة الأجل للمستثمرين والموهوبين، شكلت مجتمعة قوة دفع هائلة جعلت الإمارات في صدارة الوجهات العالمية المفضلة للاستثمار الرأسمالي".

ويخلص إلى أن "الإنفاق الرأسمالي الضخم في 2025 يضمن أن الاقتصاد الإماراتي سيقطف ثمار إنتاجية أعلى، ومعدلات تضخم منخفضة، ونمواً قوياً في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للسنوات الخمس المقبلة على الأقل، مما يرسخ تفوق الدولة إقليمياً وعالمياً".

يشار إلى أن تكامل جهود القطاعين العام والخاص  أسهمت  زيادة  رصيد بند رأس المال الثابت، حيث لعبت الصناديق السيادية الإماراتية والشراكات الاستراتيجية بين القطاعين  دوراً محورياً في تمويل وتنفيذ المشاريع العملاقة.

كما ساهم القطاع المصرفي الإماراتي القوي، والمتمتع بمستويات سيولة وائتمان مرتفعة وقواعد رأسمالية متينة، في تقديم التسهيلات الائتمانية والتمويلية اللازمة للشركات لتمكينها من توسيع خطوط إنتاجها ومشترياتها الرأسمالية ومواكبة خطط التوسع الطموحة للدولة.

وفي ضوء الحقائق السابقة، فإن  نجاح الإمارات في زيادة تكوين رأس المال الثابت بنسبة نمو قياسية خلال عام واحد يبعث برسالة واضحة لا لبس فيها للأسواق المالية العالمية، مفادها أن الدولة لا تبني اقتصاداً مؤقتاً ، بل تؤسس وتؤمن القاعدة الإنتاجية والمعرفية القادرة على قيادة قاطرة التنمية والازدهار لعقود قادمة.