مقر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في واشنطن (أ ف ب)
الجمعة 14 أغسطس 2026 / 08:56
سجلت تكلفة اقتراض الحكومة الأمريكية عبر السندات طويلة الأجل أعلى مستوياتها منذ 2001، بعدما باعت وزارة الخزانة سندات لأجل 30 عاماً بعائد بلغ 5.22%، في مؤشر جديد على تنامي الضغوط التي يواجهها سوق الديون الأمريكية وسط ارتفاع مستويات الدين العام واستمرار المخاوف بشأن التضخم.
باعت وزارة الخزانة سندات بقيمة 25 مليار دولار في مزاد حظي باهتمام المستثمرين، بحسب "فاينانشال تايمز" إلا أن العائد المرتفع الذي اضطرت الحكومة إلى دفعه، يعكس تزايد كلفة تمويل الدين الأمريكي على المدى الطويل. ويأتي ذلك في وقت يقترب فيه إجمالي الدين الأمريكي من 40 تريليون دولار، ما يزيد حساسية الأسواق تجاه حجم الاقتراض الحكومي وكلفة خدمته.

عوائد مرتفعة تعكس مخاوف المستثمرين
ويكتسب العائد المسجل في المزاد أهمية خاصة، إذ بلغ 5.22%، وهو أعلى مستوى تسجله وزارة الخزانة عند بيع سندات لأجل 30 عاماً منذ 2001. ويعكس ذلك التحول في نظرة المستثمرين إلى السندات طويلة الأجل، مع مطالبتهم بعوائد أعلى مقابل تحمل مخاطر التضخم والدين والسياسة المالية على مدى عقود.
وتأتي الزيادة في تكلفة الاقتراض رغم تراجع التضخم الأمريكي خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن مستويات الأسعار لا تزال أعلى من المستوى الذي يستهدفه مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما يبقي الضغوط على عوائد السندات طويلة الأجل قائمة.
كما أن ارتفاع العائد على السندات طويلة الأجل يشير إلى أن المستثمرين يركزون بصورة متزايدة على المخاطر المالية طويلة الأمد، وليس فقط على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
وحتى في حال اتجاه البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة مستقبلاً، يمكن أن تبقى عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة إذا استمرت المخاوف بشأن حجم المعروض من الديون والعجز المالي والتضخم.
الدين والعجز يضغطان على المالية الأمريكية
وتواجه المالية الأمريكية ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع الإنفاق الحكومي واتساع العجز، إلى جانب زيادة أعباء خدمة الدين. وأصبح ما تنفقه الحكومة الأمريكية على فوائد الدين يتجاوز الإنفاق على الدفاع الوطني، في تحول يعكس حجم العبء الذي بات يمثله الدين العام على الموازنة الفيدرالية.
ويأتي ذلك في وقت تتوقع فيه الأسواق استمرار الحاجة إلى إصدار كميات كبيرة من سندات الخزانة لتمويل العجز وإعادة تمويل الديون القائمة. ومع ارتفاع العوائد المطلوبة من المستثمرين، تصبح عمليات الاقتراض الجديدة أكثر تكلفة، وهو ما يمكن أن يفاقم الضغوط على المالية العامة إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة لفترة طويلة.
ارتفاع كلفة خدمة الدين
وتشير التقديرات إلى أن الدين الأمريكي الذي يحمله الجمهور تجاوز حجم الاقتصاد، مع توقعات بارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 120% بحلول عام 2036 إذا استمرت الاتجاهات المالية الحالية.
وفي الوقت نفسه، لا يزال الطلب على السندات طويلة الأجل قائماً، مدفوعاً بارتفاع العوائد التي توفرها للمستثمرين، ولا سيما المؤسسات التي تحتاج إلى أصول طويلة الأجل لمطابقة التزاماتها المستقبلية. إلا أن ارتفاع العائد المطلوب للحصول على التمويل يعكس أيضاً تزايد المخاطر التي يرى المستثمرون أنها مرتبطة بالمسار المالي للولايات المتحدة.
المستثمرون يراقبون المخاطر طويلة الأجل
ويبرز مزاد السندات لأجل 30 عاماً باعتباره إشارة مهمة إلى التحول الجاري في سوق الخزانة الأمريكية، إذ لم تعد كلفة الاقتراض الطويل مرتبطة فقط بتوقعات السياسة النقدية، وإنما أصبحت تتأثر بصورة أكبر بمخاوف المستثمرين بشأن الدين والعجز والتضخم وحجم الإصدارات الحكومية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين العالميين، نظراً إلى الدور المحوري الذي تلعبه سندات الخزانة الأمريكية في الأسواق المالية العالمية، باعتبارها من أهم أدوات الاستثمار والمرجع الأساسي لتسعير العديد من الأصول المالية.
تأثيرات تمتد إلى الاقتصاد والأسواق
وتراقب الأسواق الأمريكية هذه التطورات عن كثب، باعتبار أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل يمكن أن ينعكس على نطاق واسع في الاقتصاد، من تكاليف الرهن العقاري وقروض الشركات إلى تقييمات الأسهم والاستثمارات.
وبذلك، لا يمثل مزاد السندات الأخير مجرد عملية تمويل حكومية، بل يعكس أيضاً تزايد الضغوط التي تواجه أكبر سوق للديون السيادية في العالم، في وقت يترقب فيه المستثمرون مسار السياسة النقدية والتضخم والمالية العامة الأمريكية خلال السنوات المقبلة.