صورة تعبيرية (pexels)
صورة تعبيرية (pexels)
السبت 29 أغسطس 2026 / 23:12

الخشب في مواجهة الخرسانة.. سباق لبناء ناطحات سحاب أقل تلويثاً

بعد عقود من الاعتماد على الخرسانة والصلب لبناء المدن دخلت الأخشاب منافسة جديدة في قطاع التشييد، مع ظهور أبراج ومجمعات سكنية وتجارية تستخدم تقنيات الأخشاب الكتلية لبناء هياكل أطول، في محاولة لخفض الانبعاثات المرتبطة بقطاع البناء.

بناء مبنى متوسط الارتفاع بالصلب والخرسانة يولّد 1500 إلى 2000 طن متري من ثاني أكسيد الكربون خلال عملية البناء، بينما يمكن لمبنى مماثل مصنوع من الخشب أن يخزن ما بين 600 و1000 طن من ثاني أكسيد الكربون.

وتقوم الفكرة على استخدام تقنيات مثل "Mass Timber" و"Glulam" لإنتاج هياكل خشبية قادرة على تحمل أحمال المباني متعددة الطوابق، بما يسمح بتقليل الاعتماد على الخرسانة والصلب.

وتتحوّل الفكرة تدريجياً من تجارب محدودة في المباني منخفضة الارتفاع إلى مشروعات أكبر في عدة دول، ففي السويد يجري تطوير "Stockholm Wood City" على مساحة 250 ألف متر مربع، بينما تشهد سويسرا مشروع برج خشبي بارتفاع 100 متر، وتعمل أستراليا على برج "نصف خشبي" بارتفاع 191 متراً. 

أما اليابان فتخطط لبناء برج خشبي بارتفاع 350 متراً بحلول 2041، ليصبح الأطول من نوعه في العالم.

لماذا تبحث صناعة البناء عن بديل؟

وفق صحيفة "الغارديان" البريطانية، يمثل قطاع البيئة العمرانية 37% من إجمالي الانبعاثات العالمية، بفعل عمليات البناء والطاقة المستخدمة في تدفئة المباني وإضاءتها وتشغيلها وصيانتها. ويمثل تصنيع الخرسانة وحده 7 إلى 8% من هذا الإجمالي في القطاع.

أيضاً الرمال مشكلة أخرى، فالكميات المطلوبة لصناعة الخرسانة هائلة، وهو ما دفع إلى إزالة قمم جبال وتكسيرها، فضلاً عن تجريف المضائق البحرية المليئة بالرواسب في جزيرة جرينلاند بالقطب الشمالي.

على الجانب الآخر، تمثل الأخشاب بديلاً أقل تأثيراً على المناخ، حيث تمتص الأشجار ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتخزنه في أنسجتها، ويظل جزء كبير منه داخل الخشب حتى بعد قطع الأشجار وتحويلها إلى مواد للبناء.

وبحسب تقديرات أوردها تقرير "الغارديان"، فإن بناء مبنى متوسط الارتفاع بالصلب والخرسانة يولّد 1500 إلى 2000 طن متري من ثاني أكسيد الكربون خلال عملية البناء، بينما يمكن لمبنى مماثل مصنوع من الخشب أن يخزن ما بين 600 و1000 طن من ثاني أكسيد الكربون.

وبذلك تتحوّل المباني نفسها من مصدر إضافي للانبعاثات إلى وسيلة لتخزين الكربون.

ناطحة سحاب خشبية

يقدّم برج "ميوستارنت" في النرويج أبرز نموذج عملي على استخدام الأخشاب في المباني المرتفعة، حيث يبلغ ارتفاعه 84 متراً ويتكون من 18 طابقاً تضم مكاتب وشققاً وفندقاً من 72 غرفة. 

وبحسب الخبراء، استخدم المشروع أخشاباً كتلية، من بينها "Glulam"، وهي تقنية تُقطع فيها الأخشاب إلى شرائح ثم تُلصق معاً تحت ضغط لإنتاج أعمدة وعوارض كبيرة.

بعد ذلك قُطعت وشُكلت بدقة تصل إلى المليمتر، ثم نُقلت إلى موقع البناء ورُكّبت مباشرة، ما سمح بإنجاز الهيكل بمعدل يقارب طابقاً واحداً أسبوعياً ومن دون سقالات خارجية.

هل يلغي الخشب الخرسانة بالكامل؟

تجربة النرويج تكشف أن الأبراج الخشبية لا تعني بالضرورة الاستغناء الكامل عن المواد التقليدية، فالخشب أخف بكثير من الخرسانة والصلب، ومع ارتفاع المبنى تتضاعف تأثيرات الرياح على الأجزاء العليا، ما يزيد حركة البرج.

ولمعالجة هذه المشكلة أضيفت طبقات من الخرسانة إلى أسطح الطوابق العليا في "ميوستارنت"، بهدف زيادة وزن المبنى والحد من تأرجحه.

وماذا عن الحرائق؟

في الوقت ذاته، تظل الحرائق من أبرز المخاوف المرتبطة بالأبراج الخشبية، لكن اختبارات أعمدة "Glulam" في "ميوستارنت" أظهرت أن الخشب إذا اشتعل قد يتفحم، لكن الطبقة المتفحمة ستعمل على حماية الجزء الداخلي وإبطاء وصول النار إليه بما يكفي لإطفاءها. 

وبالتالي يتوقف الاحتراق بينما يظل قلب العمود متماسكاً وقادراً على حمل أحمال المبنى. 

وخضعت أعمدة المبنى لاختبارات حريق في تروندهايم ونجحت فيها بالفعل. كما حصل البرج على تأمين من أكبر شركة تأمين في النرويج، والتي تشغل طابقين من مكاتب المبنى.

مدن تتنفس طاقة نظيفة.. كيف تحولت الإمارات إلى عاصمة عالمية للمباني الصديقة للبيئة؟ - موقع 24تشهد الطفرة العمرانية في دولة الإمارات تحولاً جذرياً نحو مفهوم الاستدامة البيئية، كركيزة أساسية لتحقيق الاستراتيجية الوطنية للحياد المناخي 2050.

معضلة أخرى: هل تتأثر الغابات؟

اللافت أنه إذا توسع استخدام الخشب في الأبراج والمدن، فإن الطلب على الأشجار سيرتفع بصورة كبيرة، وهو ما يضع الفكرة أمام مفارقة بيئية، فمثلاً بناء "ميوستارنت" احتاج وحده إلى أخشاب 16 ألف شجرة تنوب وصنوبر. وبالتالي من الطبيعي أن تُثار مخاوف بشأن زيادة الضغط على الغابات نتيجة انتشار البناء الخشبي على نطاق واسع. 

كما أن البناء بالخشب لا يزال أكثر تكلفة في بعض المشروعات الكبرى، حيث بلغت تكلفة "ميوستارنت" 100 مليون جنيه إسترليني، مقابل تكلفة أقل بنحو 10 إلى 15 مليون جنيه لو بُني بالصلب والخرسانة. 

غير أن الفارق قد يتغير إذا احتسبت المشروعات الأضرار البيئية والصحية المرتبطة بإنتاج الخرسانة والانبعاثات الناتجة عنها.

لذلك يظل استخدام الخشب على نطاق واسع مرتبطاً بالتكلفة واستدامة مصادره ومتطلبات السلامة في الأبراج المرتفعة، ما يجعل الاتجاه الأقرب مستقبلاً هو الجمع بين الخشب والخرسانة والصلب بدلاً من استبدالها بالكامل.