روبوت (رويترز)
روبوت (رويترز)
الأربعاء 2 سبتمبر 2026 / 10:49

من المصانع إلى الموانئ.. الروبوتات تشعل التحول الصناعي في الصين

بينما تحظى الروبوتات الشبيهة بالبشر باهتمام إعلامي واستثماري واسع في الصين، من العروض الرياضية إلى الروبوتات القادرة على تنفيذ حركات قتالية وألعاب كرة القدم، فإن التحول الأكثر أهمية اقتصادياً يحدث بعيداً عن الأضواء. فالثورة الحقيقية في قطاع الروبوتات الصيني تقودها الآلات الصناعية المتخصصة، التي تعمل بالفعل داخل المصانع والموانئ وسلاسل الإنتاج.

تشير أحدث البيانات التي نشرتها "فاينانشال تايمز" إلى أن الصين ركبت نحو 295 ألف روبوت صناعي جديد خلال 2024، وهو ما يمثل 54% من إجمالي التركيبات العالمية في ذلك العام، فيما تجاوز المخزون التشغيلي للروبوتات الصناعية في البلاد مليوني وحدة، وهو الأكبر عالمياً.

الصين لا تنتظر مستقبل الروبوتات.. بل تعيشه

المفارقة في المشهد الصيني أن أكثر الروبوتات تأثيراً في الاقتصاد ليست بالضرورة تلك التي تشبه الإنسان. فبدلاً من محاولة بناء آلة واحدة قادرة على أداء عشرات المهام، تعتمد الصناعة على روبوتات مصممة لأداء وظائف محددة بكفاءة عالية، من اللحام والطلاء والتجميع إلى نقل البضائع والعمل في البيئات الصناعية الخطرة.

هذا النموذج يمنح الشركات ميزة اقتصادية مباشرة، لأن الروبوت المتخصص يمكن تصميمه وتحسينه لمهمة بعينها بدل تحميله تكلفة وتعقيد محاكاة جسم الإنسان وحركاته وقدراته المتنوعة.

وتظهر قوة هذا النموذج في حجم الانتشار داخل الاقتصاد الصيني. فقد تجاوز عدد الروبوتات الصناعية العاملة في المصانع الصينية مليوني وحدة في 2024، أي نحو 4.5 مرة المخزون التشغيلي في اليابان، صاحبة المركز الثاني عالمياً.

المصانع الكهربائية والسيارات في قلب التحول

يقترن انتشار الروبوتات في الصين بتوسع صناعات استراتيجية، على رأسها السيارات الكهربائية والإلكترونيات والآلات والمعدات.

وتبرز صناعة الإلكترونيات بصورة خاصة، إذ تستحوذ الصين على نحو 64% من الروبوتات الصناعية المركبة في قطاع الإلكترونيات عالمياً، بينما ارتفعت حصة الشركات الصينية من السوق المحلية للروبوتات الصناعية إلى 57% في 2024، مقارنة بنحو 28% قبل عقد تقريباً.

وفي قطاع المعادن والآلات، وصلت حصة المصنعين الصينيين من السوق المحلية إلى نحو 85%، ما يعكس تحولاً مهماً من الاعتماد على الشركات الأجنبية إلى بناء قاعدة محلية قادرة على تطوير وتصنيع الروبوتات نفسها.

من مستورد إلى منافس عالمي

أحد أهم أبعاد الثورة الصينية ليس فقط زيادة عدد الروبوتات المستخدمة، وإنما صعود الشركات الصينية التي تصنع هذه الآلات.

ففي 2024، تجاوزت مبيعات المصنعين الصينيين مبيعات الشركات الأجنبية في السوق المحلية للمرة الأولى، لتصل حصة الشركات المحلية إلى 57%. ويشير ذلك إلى أن الصين لا تستخدم الروبوتات على نطاق واسع فحسب، بل تعمل على بناء منظومة صناعية متكاملة حولها.

وهذا التحول يحمل أهمية استراتيجية، لأن امتلاك التكنولوجيا المستخدمة في الأتمتة يمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على خفض التكلفة وتطوير المنتجات وتوسيع الصادرات، بدلاً من الاكتفاء بشراء المعدات من اليابان وأوروبا.

لماذا لا يمثل الروبوت الشبيه بالبشر الثورة الأكبر الآن؟

رغم الزخم الكبير حول الروبوتات الشبيهة بالبشر، فإن استخدامها التجاري الواسع لا يزال يواجه تحديات كبيرة، من بينها التكلفة، والقدرة على الحركة الدقيقة، والذكاء اللازم للتعامل مع بيئات العمل غير المتوقعة.

وأظهرت تجارب حديثة في الصين أن بعض الروبوتات الشبيهة بالبشر لا تزال تعتمد على حركات مبرمجة مسبقاً، وتواجه صعوبات في تنفيذ مهام صناعية معقدة بصورة مستقلة وموثوقة. وهذا يعني أن الانتقال من عروض الاستعراض إلى الإنتاج التجاري واسع النطاق لا يزال يحتاج إلى تطورات كبيرة في الذكاء الاصطناعي والقدرة على التكيف.

في المقابل، لا تحتاج الآلة الصناعية المتخصصة إلى تقليد الإنسان حتى تكون ذات قيمة اقتصادية. يكفي أن تؤدي مهمة محددة بسرعة ودقة وبتكلفة أقل من البدائل البشرية.

بكين تضع الروبوتات في قلب الصناعة

وتتجاوز أهمية الروبوتات في الصين حدود الشركات والمصانع، لتصبح جزءاً من السياسة الصناعية للدولة.

فخطة الصين الخمسية الخامسة عشرة للفترة من 2026 إلى 2030 تضع الروبوتات والذكاء الاصطناعي ضمن ركائز تحديث النظام الصناعي، مع توجه واضح نحو نقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى التطبيقات المادية والروبوتات.

وتشير التوقعات إلى استمرار وجود إمكانات نمو قوية في قطاع التصنيع الصيني، مع إمكانية تحقيق نمو متوسط يقارب 10% سنوياً حتى 2028.